نلاحظ هنا أن رفاعة اقترح (تطرية الزمن) في (وقت الحر) بمصر للوقت الذي يتسرب قيمة. الزمن هو ساعات الصحو أو الغيم أو المطر التي يتألف منها اليوم, لم تعد فكرة الزمن مفهومًا تجريديًا, فلسفيًا, بل هي إشارة إلى قياس حياة واقعية, لقد طلّق رفاعة معنى (الدهر) الذي كان يستخدم كثيرًا, ولم يعد مجرد رحالة ينتقل من مكان إلى آخر, لكنه ينتقل في الزمان من عصر إلى آخر, من بيئة إلى بيئة أكثر تقدمًا وتحضرًا.
يندمج رفاعة في الزمن الباريسي ويربط بينه وبين قفز الباريسيين إلى العمل والإبداع ويقارن بين هذا ورتابة وجمود العيش في مصر:
هنا - في باريس - تدور آلات المصانع باندفاع, ويحرص الناس على مواعيدهم بالدقة, وهنا تصدر صحف يومية تربط الناس بالعالم.
والعلوم في مدينة باريس تتقدم كل يوم, فهي دائمًا في الزيادة, فإنها لا تمضي سنة إلا ويكشفون شيئاً جديدًا, فإنهم قد يكشفون في السنة عدة فنون جديدة, أو صناعات جديدة, أو وسايط أو تكميلات.
وتضحى مسيرة الحياة في باريس مقياسا لأيامه, والأزهري, السائح, طالب العلم, حريص على تعويض ما فاته وما فات أمته منذ قرون, عرف شدة ذكاء الباريسيين, وتأصل الثقافة فيهم وتوقهم إلى الفهم والاستطلاع, عرف نشاطهم الجم وخفة حركاتهم, وتقلب مزاجهم وعواطفهم, وحبّهم لوطنهم, وإكثارهم من الرحلات واحترامهم للأجانب, وهم يحرصون إلى حدّ التقتير, إلاّ أنهم يبذرون المال في طلب اللهو, ويتفننون في اللهو, ولكنهم يعملون فيتقنون عملهم, وقد يدفعهم الاعتزاز بالنفس إلى هاوية الانتحار دون أن يذعنوا للقدر, وهم يحفظون الجميل ويؤدون الواجب, ومن الغريب أن الرجال عندهم عبيد النساء, يثقون بهن, ويدلّلوهن, ثم يلجأون في خيانة العِرض إلى ساحة القضاء بدلاً من أن يثأروا ثأرًا شخصيًا. ويعجب الطهطاوي بعدم وجود الغزل بالمذكر في أشعارهم, لكنه يأخذ على النساء قلّة العفاف وعلى الرجال قلّة الغيرة.