(وتغيّر مزاج الهواء والزمن في باريس أمر عجيب, فإنه قد يتغيّر في اليوم الواحد أو مع ما بعده حال الزمن, مثلا يكون في الصباح صحو عجيب لا يظن الإنسان تغيّره فلا يمضي نصف ساعة الاّ ويذهب بالكلية ويخلفه المطر الشديد. وقد يكون حرّ يوم من الأيام أربعاً وعشرين درجة ولا يصل اليوم الآتي إلى اثنتي عشرة وهكذا. فقل أن يأمن الإنسان تغيّر الوقت بهذه البلاد, فمزاجها كمزاج أهلها, ومعلوم أنه ينبغي أن يتحفظ الإنسان من ضرر هذا التغيّر, وإن كان هواء باريس في الجملة طيبًا مناسبًا للصحة, ومع أن حرّها لا يصل إلى حرّ القاهرة في الغالب فهو غير مألوف أبدًا, ولعل ذلك للانتقال من شدّة البرد إلى شدة الحر)(7)
يلاحظ أنه يستخدم كلمة (الزمن) وكلمة (الوقت) للإشارة إلى الجو, ولا ريب أن هذا جاء من تأثير اللغة الفرنسية عليه.
والمدهش أنه يحتفظ برابطة الزمن والوقت حتى عندما يستذكر جو مصر فيقول:
(وأما مصر, فإنها سليمة من مكاره برد باريس, كما أنها خالية أيضًا عن الأمور المحتاج إليها في وقت الحرّ مثل الاستعانة على تطرية الزمن, فإن أهل باريس مثلا سهل عندهم رشّ ميدان متسع من الأرض وقت الحر, فإنهم يصنعون دنا عظيمًا ذا عجلات ويمشون العجلة بالخيل, ولهذا الدن عدة بزابيز مصنوعة بالهندسة, تدفع الماء بقوة عظيمة, وعزم سريع, فلاتزال العجلات ماشية, والبزابيز مفتوحة حتى ترش قطعة عظيمة في نحو ربع ساعة, لا يمكن رشّها بجملة رجال في أبلغ من ساعة, ولهم غير ذلك من الحيل فمصرنا أولى بهذا لغلبة حرها)(8)