غادر رفاعة مصر وهو بذهنية أزهرية مغلقة, لا تدرك من التاريخ إلا الماضي البعيد, فأفضل العهود وأكثرها إشراقًا وتألقًا هو عصر الدعوة ثم عصر النبوة وإشراق الإسلام ثم يقفز إلى العصر العباسي. وفي ذلك يقول: (ومما قام مقام آلات السياحة قبل ابتداعها, وناب عن أدوات الملاحة قبل اختراعها, الأنوار المحمدية والغيرة الإسلامية. بل والمعارف الوافرة في العلوم الرياضية والفلكية والجغرافية في زمن الخلفاء العباسية)(1).
على أنه - رغم اعتزازه الشديد بماضي أمته المشرق ومنجزاتها الحضارية يتطلع بثقة إلى أمام فيقول: (ومن المقرر في الأذهان وفي خارج الأعيان أن الفضل للمتقدّم, أوليس أن المتأخر يغترف من فضالته, ويهتدي بدلالته?)(2)
ولا ينسى أنه إمام بعثة تطلب العلم, فيرصد بابًا كاملاً من كتابه للتعريف بتخصصات مجموعته, يمهد له بالعبارة الآتية: (ولنذكر لك هنا الصنايع المطلوبة لتعرف أهميتها ولزومها في أي دولة من الدول, وهذه الفنون إما واهية في مصر أو مفقودة بالكلية)(3)
والقائمة مسهبة, اخترنا طائفة منها, محافظين على لغة المؤلف:
- علم تدبير الأمور الملكية (أي) الحقوق الثلاثة التي يعتبرها الافرنج وتسمّى بالنواميس وهي الحقوق الطبيعية والحقوق البشرية والحقوق الوضعية وعلم أحوال الأبدان ومصالحها وما يليق بها.
- وعلم الاقتصاد في المصاريف - وعلم تدبير المعاملات والمحاسبات والخانزندارية وحفظ بيت المال.
و(علم تدبير العسكرية) و(القبطانية والأمور البحرية)
- (فن المياه وهو صناعة القناطر والجسور والأرصفة).
- (علم الميكانيقا وهي آلات الهندسة وجرّ الأثقال).
- فن سبك المعادن.
- علم الكيميا وصناعة الورق... وليس المراد بالكيميا حجر الفلاسفة كما يظنه بعض الناس, فإن هذا لا تعرفه الافرنج ولا تعتقده أصلا).
- فن الطب وفروعه فن التشريح والجراحة وتدبير الصحة.
- علم الفلاحة.
- تاريخ الطبيعيات.
- صناعة النقاشة وفن الطباعة.
- فن الترجمة.