فإن اللَّه جل جلاله غنيُّ عن العلائق والروابط والصلات ، فصِلاَتُه بخلقه صِلاَتُ ربٍ رزَّاق لعباد محتاجين وصلته بهم صلة عطاء وتفضل بعد خلق وإيجاد ، أما صلة الخلق به سبحانه صلة أخذٍ من رزقه وانتفاع بما عنده ، فالعبد يدعو والله يجيب ، والخلق يحتاجون والزراق يعطيهم ، والعباد يفتقرون والغنيُّ يغنيهم ، وإذا قدَّموا شيئًا من أموالهم فإنما هم الذين ينتفعون به ويجازيهم بأضعاف ما عملوا ويزيدهم من فضله ، وانظر إلى أجمل حديث يعبِّر عن هذا المعنى ، قال اللَّه تعالى في الحديث القدسي : (( ... يا عبادي ، كلكم ضالٌّ إلا من هديتُه فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي ، كلكم جائعٌ إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا ، فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نَقُصَ ذلك من ملكي شيئًا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرًا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ))(1) .
4- (( وغني عن عبادة خلقِه )) .
فهو غني عن إيمانهم ؛ قال تعالى : ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [ إبراهيم : 8 ] .
(1) أخرجه مسلم (2577) من حديث أبي ذر ، رضي الله عنه ، وانظر جامع العلوم والحكم ، الحديث (24) .