الدليل الثاني : قوله تعالى :﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾(1) فيما جاء من قصة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام في ذبح ولده إسماعيل عليه السلام . فإن الله سبحانه وتعالى قد نسخ ذبح ولده قبل الفعل بالفداء .
يقول الإمام الغزالي رحمه الله في مستصفاه : (( ثم الدليل القاطع في جهة السمع على جوازه ـ أي جواز النسخ قبل التمكن ـ قصة إبراهيم عليه السلام ، ونسخ ذبح ولده عنه قبل الفعل ، وقوله تعالى : ﴿ و فديناه بذبح عظيم ﴾، فقد أمر بفعل واحد ، ولم يقصر في البدار والامتثال ثم نسخ عنه ، وقد اعتاص هذا على القدرية (2)حتى تعسفوا في تأويله وتحزبوا فرقاً وطلبوا الخلاص .من خمسة أوجه(3) :
الأول : أن ذلك كان مناماً لا أمراً .
الثاني : أنه كان أمراً لكن قصد به تكليفه العزم على الفعل لامتحان سره في صبره على العزم ، فالذبح لم يكن مأموراً به .
الثالث : أنه لم ينسخ الأمر ، لكن قلب الله عنقه نحاساً أو حديداً فلم ينقطع ، فانقطع التكليف لتعذره .
الرابع : المنازعة في المأمور ، وأن المأمور به كان هو الإضجاع والتل للجبين وإمرار السكين دون حقيقة الذبح .
الخامس : جحود النسخ ، وإنه ذبح امتثالاً ، فالتأم واندمل ، والذاهبون إلى هذا التأويل اتفقوا على أن إسماعيل ليس بمذبوح ، واختلفوا في كون إبراهيم ذابحاً ، فقال قوم : هو ذابح للقطع ، والولد غير مذبوح لحصول الالتئام ، وقال قوم : ذابح لا مذبوح له محال ، وكل ذلك تعسف وتكلف(4)
والجواب على المعتزلة من وجهين :
الوجه الأوّل : يعم جميع ما ذكروه : فلو صح شيء مما أوردوه لم يحتج إلى فداء من الله تعالى لإسماعيل ، وأيضاً : لم يكن بلاء مبيناً في حقه .
الوجه الثاني : أن نفرد كل وجه مما ذكروه في جواب
(1) 71) الصافات /107/
(2) 72) القدرية : هم المعتزلة حيث أن بعض العلماء يطلقون عليهم اسم القدرية فمنهم الغزالي وأبن قدامة أحياناً .
(3) 73) انظر الروضة 1/298
(4) 74) المستصفى /114.