الحجة الأولى : إن الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد فغايته أن يكون دالاً على ثبوت الحكم في جميع الأزمان لعمومه ، و لا يمنع أن يكون المخاطِب مع ذلك مريداً لثبوت الحكم في بعض الأزمان دون البعض كما في الألفاظ العامة لجميع الأشخاص ، وإذا لم يمتنع ذلك لم يمتنع ورود الناسخ المعِّرف لمراد المخاطِب ، ولذلك لو فرضنا ذلك لم يلزم عليه محال.(1)
الحجة الثانية : إن في العرف قد يراد بلفظ التأبيد المبالغة لا الدوام, كقول القائل : (( لازم فلاناً أبداً ، وفلان أبداً يكرم الضيف ، وأدام الله ملك الأمير )) ، إلى غير ذلك فيجوز أن يكون كذلك في استعمال الشرع ، ويتبين ذلك بلحوق الناسخ به أن المراد منه المبالغة لا الدوام ، ولأنه لا خفاء أنّ قوله (( صوموا أبداً )) مثلاً ، لا يربو في الدلالة على تعيين الوقت والتنصيص على قوله : (( صم غداً )) حكماً جاز نسخ هذا قبل الغد ، جاز نسخ الآخر أيضاً (2).
المذهب الثاني :
ذهب أبو بكر الجصاص والشيخ أبو منصور الماتُريدي والقاضي الإمام أبو زيد الدبوسي وجماعة من الحنفية إلى أنه : لا يجوز نسخ ما لحقه تأبيد أو توقيف من الأوامر والنواهي . وهذا القول هو القول المعتمد والراجح عند الحنفية .
حجة المذهب الثاني :
إن نسخ الخطاب المقيد أو المؤقت يؤدي إلى التناقض والبداء ، لأن معنى التأبيد دائم ، والنسخ يقطع الدوام ، فيكون دائماً وغير دائم ، وصاحب الشرع منزه عن ذلك ، فلا يجوز القول بنسخه ، كما لو قيل ((الصوم دائم مستمر أبداً )).
التوضيح :
إن التأبيد بمنزلة التنصيص على كل وقت من أوقات الزمان بخصوصه، والنسخ لا يجري فيه بالاتفاق ، فكذا فيما نحن فيه .
(1) 65) الإحكام3/123.
(2) 66) انظر كشف الأسرار للبزدوي 3/317