تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعودنا أن نسميها باسم واحد. ونسينا أنك إذا عنونت للكلمات فقد اتهمتها

أو غفلت عن التفاوت الكامن فيها إلى حد ما.

لا أشك كثيرا في أن العناية الخيالية بأقسام التشبيه في» أسرار البلاغة «

على غرار ما التقط الباحثون من بعد أصابت الشعر العربي بشيء كالتفكك

وا Hباعدة N دون الفهم أو الافتراضات ا Hنيرة الناشئة من جمع الشعر بعضه

إلى بعض وإتاحة الفرصة لتفاعله وما ينتج عن هذا التفاعل: لكن كل

الشراح وقفوا عند هذا التشبيه وذاك وكأن الشعر لا يحفل بغير هذا من

الارتباط حول كلمة قد تكون مفتاحا لغيرها من الكلمات التي قيدت في

144

النقد العَربي نحو نظرية ثانية

فلك التشبيه N وهو فلك ضيق كما نظن. وقد وقف عبدالقاهر حول ما سماه

تعليلا تخييليا وتأولا من كلام ابن ا Hعتز:

صدّت شُرَيْرُ g وأزمعتْ هجري

وصغت ضمائرها إلى الغدر

قالت كبرتَ وشبتَ قلتُ لها

هذا غبار وقائع الدهر (23)

قال عبدالقاهر ألا تراه أنكر أن يكون الذي بدا له شيبا N ورأى الاعتصام

بالجحد طريقا إلى نفي العيب وقطع الخصومة N ولم يسلك الطريقة العامية

فيثبت ا Hشيب N ثم يَمْنَع العائب أن يعيب ويريه الخطأ في عيبه به N ويلزمه

ا Hناقضة في مذهبه. هذه عبارات شائكة N وإذا كان الشيب أو تأوله وتعليله

مقصدنا فإن عبارة مثل» غبار وقائع الدهر «سرعان ما تزول حيويتها

بقضاء الغرض ا Hفروض N أي أن الكلمة لا يتاح لها أن تؤثر فيما وراء هذا

الغرض N ولا يتاح لها أن تكون مرة ثانية أساسا يتبعه الشيب وقد يتبعه شعر

آخر كثير يحفل بالتشبيه. وقد وقف عبدالقاهر عند بيت آخر مشهور في

» أسرار البلاغة «لابن ا Hعتز:

كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى

نطير غرابا ذا قوادم جون (24)

(القوادم ريشات في مقدمة جناح طائر. وجون هنا: بيضاء). قال

عبدالقاهر شبه ظلام الليل ح X تنتشر فيه أضواء الصباح بغراب قوادم

ريشه بيضاء N ملاحظا ما يتناثر مع الصبح من Hع نور تتراءى في شكل تلك

القوادم. ليس هذا وحده ما يروع في كلام ابن ا Hعتز N فإنه جعل ضوء

الصبح لقوة ظهوره ودفعه لظلام الليل كأنه يستعجل الدجى على الرحيل

دون.هل. وكذلك قال نطير غرابا ليصور سرعته في الطيران إذا أزعج

وأخيف N وفرْق ب X طائر يطير اختيارا وطائر يطير منزعجا خائفا لا يلوي

على شيء.

هذا تدقيق حسن أعجب به غير واحد من الباحث X لعل أسبقهم هو

أستاذي الفاضل محمد أحمد خلف الله N رحمه الله N في كتابه من الوجهة

النفسية في دراسة الأدب ونقده. وقد قرأت هذا البيت فذكرت غبار وقائع

الدهر N وخ ¥ يل إليَّ أن اندفاع الصبح واستعجال الدجى والطائر الذي أزعج

145

الدور الوظيفي للمغايرة

وأخيف N كما سمعت في عبارات عبدالقاهر N كل هذا Sكن أن يساق في

إطار ما سماه ابن ا Hعتز وقائع الدهر. فليس الصبح الذي يستعجل الدجى

بالصورة التي Sكن أن تفهم فهما تاما عزل عن هذه الوقائع. وكذلك

الأمر في إزعاج طائر كان فيما يبدو مطمئنا فأدركه الخوف. إذا صحّ أننا

مشوقون إلى الصبح الناشئ القوي أو الغراب الذي أُطير فنحن مسوقون

في هذا كله بدافع آخر. وكأن ابن ا Hعتز يغذي حذفا أو عبارة كشفنا أهميتها N

وكأنه يستشهد لها N ويشرح كل شيء ناظرا إليها. وكأن نغمة» الانتصار «في

وقائع تحرك العقل العربي. إن ابن ا Hعتز مشوق إلى تصور الصبح وقوته

لأن الصبح هو الانتصار الذي يشغله. هناك إذن وقائع تشرح عبارات كثيرة

نرددها منذ دهر طويل دون أن نتجاوز ما نسميه الوصف إلى شيء من

الفهم والاستنباط وحركة الإطار الواسع. وما نسميه تشبيها لا يعدو أن

يكون إشباعا وهميا أو تحريكا لخوف أو غلبة عليه. إن فكرة النزاع لا Sكن

أن يستغنى عنها أمام (تشبيهات) كثيرة أوردها عبدالقاهر وشغله منها أمور

مثل التفصيلات N والتركيب N ومراعاة تداخل الألوان ومقاديرها N وما إلى

ذلك من الاعتبارات التي لا تتصل فيما يقال وقف إنساني. لكن النهج

النقد العربي نحو نظرية ثانية · الصفحة ٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

النقد العربي نحو نظرية ثانيةص ٧٢