تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولأضرب لك مثلا من أمثلة كثيرة وردت في

الكتاب: قال عبدالقاهر وهذا نوع آخر من التعليل:

وهو أن يكون للمعنى من ا Hعاني والفعل من الأفعال

علة مشهورة عن طريق العادات والطباع N ثم يجيء

الشاعر فيمنع أن تكون لتلك ا Hعروفة N ويصنع له

علة أخرى N مثاله قول ا Hتنبي:

5

84

النقد العَربي نحو نظرية ثانية

ما به قتل أعاديه ولكن

يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب

الذي يتعارفه الناس أن الرجل إذا قتل أعاديه فلإرادته هلاكهم N وأن

يدفع مضارهم عن نفسه N وليسلم ملكه N ويصفو من منازعاتهم N وقد ادعى

ا Hتنبي كما ترى أن العلة في قتل هذا ا Hمدوح لأعدائه غير ذلك.

واعلم أن هذا لا يكون حتى يكون في استئناف هذه العلة ا Hدعاة فائدة

شريفة فيما يتصل با Hمدوح N أو يكون لها تأثير في الذم N كقصد ا Hتنبي

ههنا في أن يبالغ في وصفه بالسخاء والجود N وأن طبيعة الكرم قد غلبت

عليه N ومحبته في أن يصدق رجاء الراج NX وأن يجنبهم الخيبة في آمالهم N

قد بلغت به هذا الحد N فلما علم أنه إذا غدا للحرب غدت الذئاب تتوقع أن

يتسع لها الرزق N ويخصب لها الوقت من قتلى عِداه N كره أن يخلفها وأن

يخيب رجاءها ولا يسعفها N وفيه نوع آخر من ا Hدح N وهو أنه يهزم العِدى

ويكسرهم كسرا N لا يطمعون بعده في ا Hعاودة N فيستغني بذلك عن قتلهم

وإراقة دمائهم N وأنه ليس |ن يسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق N ولا

يعفو إذا قدر N وما يشبه هذه الأوصاف الحميدة N فاعرفه (1).

لقد لخص الباحثون عبدالقاهر تلخيصا سيئا N أو أجملوا كل شيء في

عبارة واحدة من قبيل حسن التعليل. وغاب ا Hوقف التأويلي الذي يصطنعه

الشيخ أو غابت أبعاده التي استعان فيها بشراح أبي الطيب. وا Hهم هو أن

عبدالقاهر يستوقفنا عند صورة متأخرة من صور البطولة N وفي وسعنا أن

نقرأ عباراته N وأن نسأل أسئلة لم يتح لها حظ من النماء والتعقب. هل ترى

عبدالقاهر بحيث ينكر بعض الإنكار صنيع أبي الطيب. أم هل تراه عزل

عن الرضا والإنكار معا N لكي يشبع التعجب الأثير عنده. والتعجب يجمع

في قبضة واحدة الشيء ونقيضه. عبدالقاهر مولع بتقصي فكرة البطولة

في الشعر العربي. هذه البطولة التي تساقطت من وعي بعض البلاغي X.

لقد اهتم البلاغيون جافاة العادات والطباع أو اقتطعوها اقتطاعا من

فكرة البطولة وسعتها.

وفكرة البطولة لا تزال غير مستوفاة ولا واضحة ا Hعالم في أذهاننا N

وقد يرجع ذلك إلى السرف في استعمال كلمة التكلف وشقيقاتها. لقد

أدخل كل شيء في البلاغة في إطار الزينة الخارجية N والزينة الخارجية

85

النقد العربي ومعجز أحمد

ليست هي قوام ما نفكر فيه أو نعنيه. لنقل إذن إننا حولنا عبدالقاهر

تحويلا قاسيا. عبدالقاهر مشغول بالبطولة التي هي قوام الشعر القد Nk

وشراح البلاغة ا Hتقدمون مشغولون بفكرة الصدق والكذب N والتكلف وا Hبالغة.

وشراح الشعر العربي المحدثون وا Hعاصرون يتأثرونهم وإن كانوا يتبرأون

من الانتماء إليهم.

لعلك ترى عبدالقاهر يسوقنا سوقا إلى التأمل في كلمة الجود والكرم.

لقد استعملت هذه الكلمات استعمالا واسعا ضبابيا N وغاب عنا أن عبدالقاهر

يكاد يتساءل عما تساءل عنه أبو الطيب. يتساءل عن جنون الكرم والسخاء.

إن فكرة الجنون تبزع من ثنايا كلام عبدالقاهر. لكن شاءت ا Hقادير أن نقرأ

الشيخ قراءة عجلة N وأن نتوهم أجيالا بعد أجيال أننا نحسن فقه السخاء

والكرم N ونحسن فقه البطولة.

وقد قلت منذ قليل إن الشيخ بذل جهدا في استيعاب بيت أبي الطيب.

والاستيعاب قبول نفسي أو وجداني N وإرجاء للمخالفة N عبدالقاهر يعطي

Hا يقرأ قدرا من الكمال. ويلاحظ دائما أن هذا الكمال ذو طابع تاريخي:

ومن قبل قال مسلم بن الوليد:

قد عود الطير عادات وثقن بها

فهن يتبعنه في كل مرتحل

ولا تستطيع بداهة أن تغفل إ Sاءة عبدالقاهر إلى مثل هذا البيت N ولا

النقد العربي نحو نظرية ثانية · الصفحة ٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

النقد العربي نحو نظرية ثانيةص ٤١