تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والرصانة والقصد والحكمة وذاقت مواقف مناقضة لهذا كله. إن السذاجة

لا تلزمك بألا تعشق أيضا مناوأتها إلى حد ما. ليس هذا تحللا. أحرى به

أن يكون تسامحا وحوارا وجمعا ب X الرفض والقبول. لكن أكثر الناس

يتوهمون أن البلاغة شيء وأمور الثقافة العربية شيء ثان. البلاغة العربية

مواقف ثقافية. لقد مضت البلاغة تذكرنا أن الثقافة تعجب وسخرية وتخييل

ورفض يختلط بالقبول (11). لا ريب عنيت البلاغة في غير قليل من مبحثها

الثاني ومبحثها الثالث بفكرة التأليف ب X القبيح والجميل (12). البلاغة في

صوتها الباطني تقول: اقبل الكياسة والسخرية ولا تنس حقيقتيهما. وقد

دعت البلاغة دعوة صريحة لقبول تغيرات الشعر وقبول ما أحوجت الحياة

إليه من غلو ولكنها حذرت ضمنا من الاستهتار.

لقد دعت البلاغة العربية للتمييز ب X حاجات الإنسان ا Hتضاربة N ولذلك

لم تقف عند كلمة العقل وحدها N بل ذهبت إلى حد افتراض مدلولات

متضاربة لهذه الكلمة حتى تستوعب ما جد من أمور الظرف والتلطف

والإخفاء. لا بد للبلاغة من بحث ا Hصالح ا Hتباينة (13). ولا بد لنا من

افتراض السخرية وقبول الأضداد وشيء من الاستفهام العريض.

البلاغة العربية عرفت أن البديهي والمحسوس وا Hعتاد لا يؤلف جوهر

عقول حديثة (14). ولا بد من الاعتراف كما قلنا بتضارب الحاجات N ولا بد

لنا من مدافعة التحيز القاسي للبساطة والنقاء ومبدأ القيود الراسخة.

كانت البلاغة العربية دفاعا عن ضرورة الجمع ب X حاست X متعارضت X

حتى نعيش. وقد وضح هذا في مقامات كثيرة. بل كان جوهر الكلام في

توكيد ا Hعنى لا ينحو نحو التوافق التام. البلاغة العربية N لهذا كله N تحفل

كثيرا ا جد من أمور الشك والاضطراب وتعالجها في إطار الشعر.

لقد عجزنا عن أن نقرأ البلاغة في هذا الجانب فالبلاغة حافلة

بدأ الشك ومبدأ الوفاق الحي ا Hتحرك والبلاغة تقدر صعوبات العلاقة

242

النقد العَربي نحو نظرية ثانية

الحميمة (15).

لنذكر إذن أن البلاغة افترضت نوعا من ا Hسافة ب X القائل وا Hتلقي N أو

افترضت دائما أو غالبا نوعا من ا Hفارقة خيمت عليها كلمة ا Hطابقة.

البلاغة درس في جدل النفس N ولكننا نقرؤها عناوين وسطوحا غافل X عن

اهتمامها بالثغرات N والثغرات قلب الحوار والحديث الحي (16). لذلك وجدنا

كل محاولة للاتصال يعترضها عائق. وهذا ما تعنيه البلاغة في مظاهر

غير قليلة. حقا إن البلاغة تبدو أحيانا وكأنها.يز الوصل من القطع.

ولكن البلاغة نفسها ترتاب في هذا الأمر. لنقرأ البلاغة باعتبارها بحثا

يخالف مبدأ الوفاق التام الراكد. فالبلاغة غنية عن هذا الوهم. لنقرأ

البلاغة باعتبارها بحثا في عقبات التواصل والفهم. لنقرأ في البلاغة

العربية فكرة الصاحب X اللذين يناوشهما الشعر القد k ( 17 ) هذا قدر من

ا Hوافقة وقدر من المخالفة. وبديهي أن الانفصال مختلف مع مراحل

الثقافة وأ xاطها.

إذا أردنا أن نجدد البلاغة فلنبحث فكرة الانفصال بحثا وئيدا. الانفصال

مرتبط با Hغامرة والبداوة وروح البكارة الأولى والتطلع إلى مجهول بعيد.

الانفصال أعرابي وحشي والانفصال أيضا قد يكون حضريا ذهنيا. الانفصال

نذير غامض أولا. والانفصال تخييل وظرف ثانيا. هذا النذير يتمثل في

الفعل الطلبي الذي قل اللجوء إليه مع الأيام. لكننا ربطنا البلاغة ربطا

تعسفيا مخزيا بفكرة الركود وا Hوت أو النهج ا Hبالغ فيه.

لقد كشفت البلاغة تطور علاقات الانفصال إلى حد ما:.ثل هذا

الانفصال آنا في ادعاء مقرون بالسيطرة أو تقريرات صافية. و.ثل آنا في

مناقشة هذا كله. وهنا كان الانفصال ريبا. وظلت البلاغة وقوامها واضح X.

البلاغة مدارها الوصل والفصل. هما معا يتحاوران N يغلب أحدهما الآخر N

ثم يعودان للحوار. وهذا ما سميته باسم التجاذب والنفور.

من حق البلاغة العربية علينا أن نهتم بصعوبات التواصل N وأن نناقش

النقد العربي نحو نظرية ثانية · الصفحة ١٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

النقد العربي نحو نظرية ثانيةص ١٢٠