تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل لا ينفصل عن فكرة النجاة وضبط مفهوم العثرات.

لقد آن لنا أن نقول إن مشكلة الأسلوب في التراث العربي أكبر من أن

تكون أدبية خالصة. إنها مشكلة اجتماعية ميتافيزيقية معا.

إن مشكلة الأسلوب تستكن في أعماق تراث الشعر N وأعماقه هي التنازع

ب X الحركة والسكون N الحركة معقدة متطاولة ولا بد لها أن تسكن في كلمة

قوية. هذه مشكلة الأسلوب في نظر الباحث X ا Hتقدم X. لا بد أن تتوج

الحركة بشيء من السكون الحي النابض. وهذا السكون ا Hتوتر لا Sكن أن

يستقيم دون أن ترتد الكلمات على نفسها أحيانا N وتكبر على الدهر الذي

أومأ إليه البيت السابق. ولهذا كله تأخذ نصيبها من الخلود N ألا ترى أنها

تكافح في سبيل كلمة.

إن الذين يظنون الأسلوب عزل عن هذه الافتراضات وما يشبهها

متفائلون.

انظر إلى وقفة الأجداد عند قوله تعالى ﴿واشتعل الرأس شيبا﴾ (3). لقد

قضى الأسلوب على فكرة التتابع السلس N وقضى على الفرق ب X الشيب

والرأس N واستحالت علاقات غير قليلة إلى علاقة خلافية واحدة. وخرج

الإنساني من طوقه إلى لحظة تحرر متأخرة. هذه حركة الصدع ا Hفاجئة

في بحث الأسلوب. ألا ترى أن الشيب بوصفه تفككا في العلاقات قد بدا

قويا متماسكا جسورا? وقفت الآية واستوقفت N وفقد الفعل ا Hاضي مضيه.

لقد استحال إلى إشكال. وأنقاض الشيب والرأس قوة عاتية سميت في

213

ا غزى الثقافي للأسلوب

أماكن أخرى باسم الدهر N هذه قوة التفكك نفسه لا بد أن تأخذ سطوة

واحدة N لا بد لها أن تقطع حبال سائر الكلمات N وفي وسعنا أن ننظر في

بيت آخر استوقف الباحث X:

وقيدت نفسي في ذراك محبة

ومن وجد الإنسان قيدا تقيدا (4)

لا Sيل أحد إلى فكرة الحركة ا Hستمرة N لا بد من توقف أو قيد يصنع

بعناية. لكل حركة مستقر أو إمامة أو رباط. لكل مسيرة إطار يتوهج لاشتباه

الحركة والسكون فيه N لا بد من تاج بسيط واحد لا ينقسم. لا بد من لحظة

» حساب «إن صح هذا التعبير.

لقد استنكر عبدالقاهر أساليب غير قليلة: منها هذا البيت:

النشر مسك g والوجوه دنا

نير وأطراف الأكف عنم (5)

هذه وحدات مستقلة ومسيرة هينة مستقيمة. هذه حركة لا عنف فيها

ولا صخب N هذا أسلوب ينم عن فقد أساسي يشعر به بعض الباحث NX وإن

كنا لا نستطيع الإفصاح عنه بسهولة. هنا تتوالى الجمل التي يشبه بعضها

بعضا في التركيب N أو تتوازى. وبعبارة أخرى إن مسيرة الكلمات لا صعاب

فيها ولا التواء ولا غموض. لنقل إن موقف البلغاء من الأسلوب كان موقف

البحث عن انفساح ا Hدى وغموض الرؤية N واشتباه الحركة والسكون. وعلى

خلاف ذلك نظر الباحثون بإعجاب إلى قول بشار:

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا

وأسيافنا g ليل تهاوى كواكبه (6)

هذا فن آخر تلغي فيه كلمة محذوفة كلماتٍ كثيرة N هنا تتعانق الكلمات N

وتفر من تفرقها وتنزل عن مسيرتها ا Hنظمة الهادئة. هذا التحام نادر كان

مثار إعجابٍ قرونا طويلة. وما من شك في أن فحوى الكلمات لها أثر N وما

من شك أيضا في أن الصياغة نفسها جعلت هذه الفحوى مشكلة كونية أو

بعثا ينصهر فيه كل شيء في ذات واحدة. هذا مرمى بعيد.

وإذا قال الجاحظ:» جنبك الله الشبهة N وعصمك من الحيرة «فأنت

أمام فن Sكن أن يكون هادما للروح الغامضة التي يتعشقها البلغاء ا Hتأخرون N

روح التماسك الذي يصعب تفككه. لكن كلمات الجاحظ أشبه بالذرات

214

النقد العَربي نحو نظرية ثانية

ا Hنفصلة التي لا يعصمها من الهباء والتفكك عاصم.

كان بحث الأسلوب في البيان العربي بحثا في التداخل والتقاطع وصعوبة

تأليف النظام. لكن النظام لا يكشف نفسه.اما. النظام روح باطنية كما

قلنا والنظام لا يتم إلا من خلال عقبات وما يشبه الانتصارات أيضا. لنقل

دون أدنى شك إن مبحث الأسلوب في التراث كان مبحث جدل قوي ينتهي

إلى الاجتماع حول مبدأ بعد نزاع كثير غامض أيضا. مبحث الأسلوب هو

النقد العربي نحو نظرية ثانية · الصفحة ١٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

النقد العربي نحو نظرية ثانيةص ١٠٧