وأقول إن النص الذي نقله- مع أنه اجتهد فيه كما أشار هو (495) إلا أنه مع ذلك لا يدل على ما أراد، وإليك تحليل نص البرهان سواء بقراءة محققه الأستاذ عبد العظيم الذيب، أو بقراءة صاحب كتاب تعليل الأحكام وذلك في النقاط التالية:
1- أن القراءة واحدة ما عدا حذف كلمة " لا " أو عدم حذفها.
2- أن النص ورد فيه صراحة أن الصحابة لا يتبعون كل مصلحة تظهر للناظر ولا يطلقون ذلك، وليس عندهم ضبط للمصالح يمنع من اتباع كل مصلحة تظهر لذي رأي إلا إتباعهم لمواقع الأحكام ومعانيها، فإذا لاح لهم المعنى وسلم عن المعارضة تبين أنه متلقي من أصول الشريعة، وليس حائداً عن المآخذ المضبوطة.
وهذا الذي نقول إن النص دل عليه هو نص كلام الجويني في موضع قريب من هذا فقد قَالَ عن الصحابة:"أنهم كانوا يتلقون معاني ومصالح من موارد الشريعة يعتمدونها في الوقائع التي لا نصوص فيها، فإذا ظنوها، ولم يناقض رأيهم فيها أصل من أصول الشريعة أجروها" (496) .
3- أن الزيادة التي بين المعكوفين قد وردت في نسخة أخرى كما أشار المحقق، وهي تفيد المعني السابق آنفاً وكذلك النص الذي نقله "شلبي" فما أورد المحقق يفيد أن الحذاق من الأصوليين ردوا الاستدلال الذي لا يستند إلى أصل، وذلك لأن صاحبه لا يأمن وقوعه في الخطأ، وكذلك النص الآخر يفيد المعنى نفسه، وهو أن الحذاق ردوا إلى أصل معين؛ لأن صاحبه يأمن وقوعه في الخطأ.
وهذا معنى ما قلته آنفا أن المعنى متسق على كلتا القراءتين، والنصوص الأخرى تؤكد ذلك كما أسلفت، ولا نكتفي بما نقلناه، من البرهان، بل نشير إلى ما نقله صاحب تعليل الأحكام في كتابه حيث نقل كلام الجويني من أن الصحابة "كانوا يرسلون الأحكام ويعقلونها في مجالس الاستشوار بالمصالح الكلية" (497) ويقصد الجويني بالمصالح الكلية الشرعية التي دلت عليها النصوص، فلابد من البناء على أصل شرعي إذًا..