وقد أشار إلى ذلك ابن القيم (378) - رحمه الله- بقوله: "بل غاية العقل أن يدرك بالإجمال حُسْنَ ما أتى الشرع بتفصيله، أو قُبْحَه، فيدركه العقل جملةً ، ويأتي الشرع بتفصيله، وهذا كما أن العقل يدرك حُسْنَ العدل ، وأما كون هذا الفعل المُعَيَّن عدْلاً أو ظلماً فهذا مما يَعْجَز العقل عن إدراكه في كل فعل وعقد. وكذلك يعجز عن إدراك حُسْنِِ كل فعل وقبحه. فتأتي الشرائع بتفصيل ذلك وتَبْيِينه، وما أدركه العقل الصريح من ذلك تأتي بتقريره. وما كان حسناً في وقت قبيحاً في وقت ، ولم يَهْتَدِ العقل لوقتش حُسْنِه من وقت قبحه أتَتْ الشرائع بالأمر به في وقت حسنه، وبالنهي عنه في وقت قبحه. وكذلك الفعل يكون مشتملاً على مصلحة ومفسدة، ولا تعلم العقول مفسدته أرجح أم مصلحته؟ فيتوقف العقل في ذلك. فتأتي الشرائع ببيان ذلك، وتأمر براجح المصلحة ، وتنهى عن راجح المفسدة. وكذلك الفعل يكون مصلحةً لشخصً ، مفسدةً لغيره، والعقل لا يدرك ذلك. فتأتي الشرائع ببيانه، فتأمر به من هو مصلحةٌ له، وفي ضِمْنِه مصلحةٌ عظيمةٌ، لا يهتدي إليها العقل، فلا تُعْلَمُ إلا بالشرع: كالجهاد والقتل في الله. ويكون في الظاهر مصلحة، وفي ضِمْنِه مفسدةً عظيمةً لا يهتدِي إليها العقل، فتجئ الشرائع ببيان ما في ضمنه من المصلحة والمفسدة الراجحة " (379) .
وهكذا نتأكد من كون العقل قاصراً عن إدراك المصالح في كل الظروف والأحوال. فإذا تقرَّر هذا يتقرَّرُ قَبْلُه ومَعَهُ وبَعْدَهُ أن نصوص الشريعة وأحكامها هي الطريق الحقيقي الموصِّل للمصلحة الحقيقية.
لا نقول هذا تَغْيِيباً للعقل ودوره، بل تقريرًا لحكم العقل نفسه القاضي بأن مصلحة الخلق كامنةٌ في شرع الله. فكيف يبقى هذا الحكم قائماً مع القول بتجاوز النصوص من أجل مصلحة تَوَهَّمَها العقل ولم يتضمنها النص؟