وبعد أن يورد الغزالي الآية: ﴿ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ ﴾ [التوبة: 13]، يقول: ( في أي لفظ من هذه الألفاظ تشم رائحة الهجوم والتعديّ ؟
إنها استثارة للدفاع وحسب! وعندما يأمر بالقتال يذكّر بمآسيهم السابقة وما تركوه في القلوب من جراحات ... قال تعالى: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ﴾ [التوبة: 14، 15].
ممن يكون شفاء الصدور وذهاب الغيظ؟ لا شك أن هؤلاء الناس تركوا في نفوس المؤمنين جراحات لا تندمل، غرّبوهم، وقتلوا أحبتهم، وضنّوا عليهم بكل حق، وظلوا على هذه الحال ثنتين وعشرين سنة يتربصون بالمسلمين، ويقلبون لهم الأمور ... أعطيناهم حق الحياة بكفرهم، وأبوا أن نعيش بإيماننا! قلنا لهم: لكن دينكم ولنا ديننا فقالوا: ليس لكم إلا الموت.
أولئك هم الذين برئت منهم ذمة الله ورسوله، وأولئك الذين نزل فيهم: ﴿ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [التوبة: 5] ، بأي عقل يأتي مفسِّر فيقول: المقصود بهذه الآية كل كافر على وجه الأرضَ أساء أم أحسن! وفّى أم غدر! ظلم أو أنصف! ثم يطلق على هذه الآية المحددة: آية السيف! ويلغي بها مائة آية في العرض الهادئ والجدال الحسن والوعظ البليغ!! ثم تظهر في عصرنا الأسود طوائف من الشباب الأغرار تحمل العصي، وتزعم أن الإسلام دين هجوم، وتريد أن تقاتل روّاد الفضاء) (323) .