ومن الأمثلة على اجتهاد العقلانيين في أمور ثبت بالدليل حرمتها، وغيروا الحكم فيها "مسألة التصوير لذوات الأرواح " حيث قالوا بجوازها بحجة تغير الزمان، فهذا محمد عمارة يوضح اجتهاده في هذه المسألة مستشهدًا بقول إمامه محمد عبده، ونحن مقدمون على استعراض المأثورات والأحاديث النبوية، التي رويت في هذا الموضوع، هي وجوب الاستحضار والتدبر للمناخ والبيئة والإطار الذي قيلت فيه هذه الأحاديث، وذلك حتى ندرك فيها ومنها المقاصد والعلل والحكم والغايات، فهي قد قيلت للمؤمنين بالله الواحد، كانوا حتى الأمس القريب يعبدون الصور والتماثيل، وهؤلاء المؤمنين كانوا محاطين بعبدة الصور والتماثيل الذين لم يؤمنوا بعد ... وصُنَّاع النسيج والأوثان والأدوات - وهم في الأساس من غير العرب - كانوا يزنون مصنوعاتهم ومنسوجاتهم بصور الآلهة - (الأصنام) - ترويجًا لها في البيئة الوثنية ... ومن هنا كان النهي عن هذه "الصور " نهيًا عن الوثنية ودعوة إلى تنقية المنازل والأندية من صور الأصنام المعبودة في الجاهلية، وسعيًا لاجتثاث جذور المرضى الوثنى، وذلك حتى تبرأ هذه الجماعة البشرية تمامًا من الشرك والتعددية، فتخلص العبودية لله وحده، وترسخ في قلوبها عقيدة التوحيد) (286) .
ويقول: (وإذا كانت الأحكام تدور مع عللها وجودًا وعدمًا، فإن التحريم للتماثيل والصور سيصبح بداهة مرهونًا ومشروطًا ومعللاً بمظنة اتخاذها أندادًا تشارك الله في الألوهية والتعظيم، فإذا ما انتفى هذا السبب، وزالت هذه المظنة انتفى التحريم، وعادت الإباحة حكمًا للصور والتماثيل، من جديد) (287) .