ثانيًا: لم يأتِ نصّ صحيح دال على شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن يتشفع به، بل النصوص كلها متضافرة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يشفع يوم القيامة، فإنه قد جاء في حديث الشفاعة: "أول شافع أول مشفع"، وهذه الشفاعة هي الشفاعة العظمى لأهل الموقف بالنص والإجماع. فهذا قوله صلى الله عليه وسلم نحكمه على من ادّعى محبته وتصديقه، فقوله: "أنا أول شافع وأول مشفع" يقتضي أولوية مطلقة لا استثناء فيها، على كل مَن قامت قيامته.
ومَن زعم أنه بعد موته في قبره يشفع، وأن الصالحين يشفعون بعد موتهم في قبورهم فلا معنى لقوله: "أنا أول شافع" عند ذلك الزاعم، إذ لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في قبره؛ لكان يشفع من حين موته إلى أن ينفخ في الصور، وحينئذ فلا معنى لقوله: "أنا أول"، إذ لو كان يشفع في قبره لانتفى تخصيصه صلى الله عليه وسلم بهذه الفضيلة يوم القيامة. فإذا كان في حياته يشفع لهم بالدعاء، وبعد موته يشفع وبعد قيام قيامة الناس يشفع، فأي معنى لقوله صلى الله عليه وسلم: "أنا أول شافع"؟!
فإذا كان هذا في حق النبي صلى الله عليه وسلم فما ظنك بالآخرين؟!
الرد على الدعوى الثالثة التي فيها: إن شفاعته صلى الله عليه وسلم مقبولة مطلقًا، يُقال في الرد عليها:
هذا غلط: فإن دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يرد، وليس كل ما دعوا به أجيب، بل ربما امتنعت الإجابة؛ لحكمة يعلمها الله عز وجل، إما أنه قد سبق في القضاء ما يخالف ما دعوا به، وإما؛ لأنهم دعوا وشفعوا فيمن لم يرضِ الله قوله، أو نحو ذلك من الموانع.
ومن المتقرر في الكتاب والسنة: أن الأنبياء ليس لهم حق في أن يُجاب جميع ما دعوا به، ودعاؤهم حري بالإجابة وهم أرفع من غيرهم من أممهم، فإجابة سؤلهم إما إعطاؤهم عين ما سألوا، أو تأخير ذلك بالأجر الجزيل لهم.