وهذا ما فهمه الشلبي حيث قال: "استند هذا الفريق في مدعاة أن المعاملات ملاحظ فيها التعبد" إلى أمور منها، ثم ذكر أدلة الإمام الشَّاطِبي على المسألة التاسعة عشرة التي أشرت إليها آنفًا، ثم حاول الإجابة عنها. (544)
ولا نحتاج هنا إلى مناقشته، فضلاً عن ذكر أدلة الشَّاطِبي وتعليقه هو فإن ذلك لا ضرورة له، وذلك أن الإمام الشَّاطِبي لم يقصد بإثبات معنى التعبد في العاديات منع التعدية فيها، لأنه يقر الفرق الذي ذكرته بين العبادات والعاديات وبمواضع الخلاف، فهو يرى في وقت واحد أن: العاديات الأصل فيها اتباع المعاني، فيعدي المجتهد الحكم إلى غير محله بشرط أن يلتزم مسالك العلة فلا يؤدي به اجتهاده إلى رد ما جاء به الشرع، وسواء عدى الحكم أو لم يعده فإن أحكام العاديات كلها فيها معنى التعبد من جهة- لا تمنع التعدية- وإنما هي ضرورية لربط قلب المؤمن بالله، فهو إذ يلتزم بأحكام العاديات إنما يلتزم أمر الله فإذا أخذ ما أخذ، وترك ما ترك من تحت الإذن الشرعي فإنه عابد متبع مؤد حق الله وهذا معنى قول الشَّاطِبي: الأصل في العاديات الالتفات إلى المعاني وذلك لتتحقق التعدية، وأن فيها معنى التعبد وذلك لتحقق معنى العبادة والأجر والثواب عليها.
فإذا كان الأمر كذلك فهل يجوز لباحث أن يناقش أدلة الشَّاطِبي على أن العاديات وأن اعتبر فيها إتباع المعاني - فلابد فيها من اعتبار التعبد، وذلك ليقول: إن الأدلة السابقة - ويقصد أدلة الشَّاطِبي - فيها ضعف ظاهر ولا يصلح التمسك بها في مقام الحجاج. (545)
وأدلة الإمام الشَّاطِبي التي ناقشها د. شلبي هي الأدلة التي ذكرها على المسألة التاسعة عشرة لإثبات أن "كل تكليف فيه حق لله" (546) ومن يناقش في هذا أو يجادل؟!
وهذا دليل على أن الشلبي لم يفهم مما يريد الشَّاطِبي أن يقوله في المسألة التاسعة عشرة فأخذ يناقشه في أربعة صفحات. (547)