وفكرته هذه وما ينبني عليها لا يزيدها إدخالها مع كلام الشَّاطِبي إلاّ خذلانا، وذلك لما بينته من الفرق بين ما نقلته عن الأصوليين، ومنهم الشَّاطِبي وهو الالتزام بالضوابط الشرعية، وتوقير النصوص، والشعور بحرمتها وأنها رحمة متضمنة للعدل والمصلحة والخير واتباع المعاني تحت العمل بالضوابط وبين شذوذ صاحب رسالة التعليل الذي يرى المصلحة... خارجة عن النص في بعض الأحيان ويصر على عدم الضبط (536) ، ويعطل بعض النصوص مؤقتاً، تجديداً لشذوذ الطوفي، بل وزيادة عليه.
ثالثاً : قال الإمام الشَّاطِبي إن العقول قد تدرك بعض المصالح كما كان يصنعه أهل الفترات، حيث اتبعوا بعض الأحكام- - اتباعًا لبعض المعاني- فجرت بذلك مصالحهم، وذلك ما كانوا يعملونه في الجاهلية، كالدية والقسامة، والاجتماع يوم العروبة - وهي الجمعة للوعظ- والقراض وكسوة الكعبة، وأشباه ذلك، ومع ذلك فإنهم قصروا في جملة من التفاصيل فجاءت الشريعة لتتمّ مكارم الأخلاق، وأما في التعبديات فكان الصحيح منها نادراً، وهو ما أخذوه من ملة إبراهيم عليه السلام. (537)
ثم جاءت الشريعة وأقرت من هذه الأحكام ما أقرت، ورفضت منها ما رفضت، وما قبلته أصبح من نظامها لا على أنه حكم الجاهلية خالط حكم الإسلام، وأن الإسلام تأثر به، بل لأن الإسلام اختاره وأقره، ولو لم يكن منه البتة، وهو بهذا الإقرار أصبح من شريعة الإسلام، وأخذ شرعيته من إقرار الإسلام به.
وقد صرح الإمام الشَّاطِبي أن هذا الإقرار لهذه المصالح من الشارع حيث قال: "ومن هنا أقرت هذه الشريعة جملة من الأحكام التي جرت في الجاهلية كالدية والقسامة...". (538)
ونحن نطالب من يريد إتباع المصالح حيث كانت أن يأتي بإقرار من الشارع، على أن هذا الأمر مصلحة وليس بمفسدة لا نريد منه أكثر من ذلك.
والمصالح حينئذ قسمان كما قرره الشَّاطِبي نفسه: