وإِنَّ تَغَيُّر الفَتْوى إذا تغير تحقيق المَناط لكي تَنْتَظِم كلُّ واقعةٍ تحت حُكمِها الشرعي ، لا صِلةَ لَهُ البَتَّةَ بتغير أحكام الشريعة بزعم تغير المصالح بتغير الأزمنة، ومن هنا فإن الفقه الإسلامي يتجدد ولا يَجْمُد ، حيث يأخذ كل واقعة بخصوصها فيدخلها تحت حكمها الشرعي حسب تحقق منَاطها ، فإن جاء زمنٌ آخر تجددت تلك الواقعة على صورةٍ أخرى وتغير تحقيق مناطها ، وُضِعَت تحت حكمها الخاص بها وهكذا... ولكل واقعةٍ بحسب تحقق مناطها، حكمٌ ثابتٌ يحقق المصلحة في جميع الأزمان " (382) .
وإذا كان محمد عماره يرى أن السُّنة يُؤْخَذُ منها ويُتْرَك وِفْقَ المعيار الذي تبَنَّاه. فإنَّ لمُحَمَّد إقْبال رَأياً آخر أَكْثرَ تَطَرُّفًا:
فهو يُقِرُّ بأنَّ هناك أحاديث تتضمن أحكاماً تشريعية، وأحاديث ليس لها طابعٌ تشريعيٌ. ولم يقف عند القسم الثاني. أما القسم الأول: وهو ما تضمن أحكاماً تشريعية فلم يذهب مذهب "عماره" في عَدِّهِ من السُّنة التشريعية بشرط أن يكون تفسيراً للقرآن الكريم- كما تقدم- بل يرى إقْبالُ عَدَمَ الأخْذِ بالأحاديث مطلقاً في تقنين الأحكام المعاصرة.
وحُجَّتُه أن الرسول صلى الله عليه وسلم في مُحَاولَته لِبناءِ شريعةٍ عالميةٍ تشمل الشعوب المختلفة، كان لابد له من جعل أُمةٍ مُعَيَّنة نواةً، فَيُعَلِّمَها ويُطَبِّقَ المبادئ التي ينادي بها على حالاتٍ واقعيةٍ، في ضَوءِ العادات المُمَيِّزة للأمة التي هو فيها، وأحكام الشريعة الناتجة عن هذا التطبيق هي أحكامٌ خاصةٌ بتلك الأمة، إذ ليست مقصودةً بذاتها، وإنما المقصود ما تهدِفُ إليه من مبادئ، فلا مَجال لفَرْضِها على الأجيال المقبلة (383) .
إنه الادِّعاء ذاته الذي يَشْغُبُ بِه العقلانيون: استلهام المبادئ العامة والمقاصد الكبرى دون النصوص والأحكام الجزئية!!