يقول محمد عمارة: " وفي ضَوْء هذه الحقيقة من حقائق المنهج الإسلامي عن العلاقة - علاقة المُزاملَة بين النص وبين الاجتهاد- مَيَّز المحدِّثون والأصوليون في نُصوص السُّنة النبوية بين سُنَّة العادة- وهي التي لا إلزام فيها- وسُنَّة العبادة التي لا تغيير لحكمها- بالاجتهاد- إذا تعلَّقت بالغيبيات التي لا يَسْتقِل العقل بإدراكها، أو بالعبادات ومن ثَمَّ لا يجوز الاجتهاد في تغيير حكمها، وكذلك إذا هي تعلقت بالثوابت الدنيوية، لانتفاء دوران وتغيُّر عللها...ميزوا بينها وبين السنة التي تتعلق بالفروع من المتغيرات الدنيوية، والتي هي اجتهاد نبوي، فهذه تدور أحكامها مع عللها وجوداً وعدماً... فيجوز معها وفيها الاجتهاد الجديد تبعا لما يُسْتَجَدُّ من مصالح" (365) . ثم أورد ما نقلناه من نصٍ متقدمٍ عن القرافي، واستنتج منه ما يلي :
أولاً : أن السُّنَّة تنقسم إلى قسمين:
(أحدهما) : سُنَّةٌ تشريعية (أي من الشرع) وهي شاملة للوضع الإلهي في السُّنَّة الخارج عن إطار اجتهاد الرسول. وحكمها الدوام وعدم الاجتهاد فيها.
(الثاني) : سُنَّةٌ غير تشريعية وهي المتعلقة باجتهادات الرسول في فروع المتغيرات الدنيوية سواء اكان في السياسة أوفى الحرب أو في المال، وكل ما يتعلق بإمامته للدولة الإسلامية، أو بقضائه في المنازعات الذي هو اجتهاد مُؤَسَّسٌ على حُجَج أطراف النزاع، وليس وحْياً معصومًا... وفيها ومعها يجوز الاجتهاد الذي يأتي بجديد الأحكام (366) .
ثانيا : أن تَوَقُّف السُّنة غير التشريعية على حكم الحاكم أو إذن الإمام يعني استئناف الاجتهاد فيها من جديد بواسطة القضاء المعاصر، وإمام الوقت الحاضر لِتَبَيُّنِ مَدَى توافُرِ شروط إِعْمال أحكامها، وموافقة الحال وتحقيق المصلحة (367) .