وأما القول بأن فِقْه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بعض القضايا يُمَثِّل مُسْتَنَداً للقول بتغير الأحكام بناءً على تغير المصالح فهو قولٌ مردودٌ بما أوردناه في مناقشة العقلانيين. وخلاصته أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يُبَدِّل حُكْماً، وليس له ذلك وإنما حرص - رضي الله عنه - على تحقيق مناط الحكم في كل قضية نُسِبَ إليه التغيير فيها ، فحيث تحقق مناط الحكم تحقق الحكم ، وحيث رأي تخلف المناط قال بتخلف الحكم، وهو المنهج الشرعي الذي تؤيده الأدلة الشرعية ، وتؤكده قواعد الشرعية وكلياتها.
وأما ما ذكروه من إيراد ابن القيم - رحمه الله- لفصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد ، فصحيحٌ وواقعٌ. بَيْدَ أنَّ العلاَّمة ابن القيم رحمه الله - كما هو حال بقية السلف- لم يَعْمَد إلى تغيير حكمٍ شرعيٍ تحقق مناطه البتَّة، وأن كل اجتهاد لُوحِظَ فيه تغييرٌ لحكمٍ شرعيٍ إنما كان - في الحقيقة- اتِّباعٌ للشرع، وتحقيق لمناطات أحكامه. (450)
وقد تَتَبَّع بعض الباحثين الأمثلة التي أوردها ابن القيم في الفصل المشار إليه، وصرح بأنه لم يَرِدْ مثالٌ واحدٌ فيها قُدِّمَت فيه مصلحةٌ على نص. (351)
فكل حكم تغير كان إما نصاً بنص ، أو مصلحة بمصلحة راجحةٍ، أو إلحاقُ حكمٍ اجتهاديٍ بأصلٍ مَنصوصٍ عليه. (352)
ثم يُقال لهم : هل المقصود من تغيير الحكام بتغير الزمان والأحوال ... أن الحادثة التي تَغَيَّر حُكْمُها هي هي عند تغير حكمها بجميع خصائصها وحيثياتها، أم أنه طرأ عليها اختلافٌ في بعض الخصائص والحيثيات؟
فإن كان الجواب بالأول فهو باطلٌ ؛ إذ ذلك نَسْخٌ للحكم، ولا نسخ بعد عصر الرسالة.