وبعد إيراده لنص القرافي المتقَدِّم، وإيرادِهِ لتلك الملاحظة عليه، استشهد بنصٍ آخر يُفْهُم منه شُمول التغيير لمجال أوسع من الأحكام، هذا النص هو قول القرافي :"فمهما تجدد من العرف اعْتَبِرْه، ومهما سقط أسْقِطْه، ولا تَجْمُد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك، لا تخبره على عُرْفِ بلدك، واسأله عن عُرْف بلده، وأجْرِهِ عليه، وأفْتِهِ به، دون عرف بلدك، والمُقَرَّرِ في كتبك، فهذا هو الحق الواضح. والجمود على المنقولات أبداً ضلالٌ في الدين، وجَهْلٌ بمقاصدِ علماء المسلمين والسلف الماضين" (444) لِيَسْتَنْتِجَ القرضاوِيُّ من هذا النص أن القانون الواجب على أهل الفقه والفتوى مراعاته على طول الأيام، هو ملاحظة تغير الأعراف والعادات بتغير الأزمان والبلدان (445) .
وليست هذه الملاحظة هي المقصودة، إذ المقصود هو تغير الأحكام بناءً عليها، فهو يَخْتَتِم النُّقُولاتِ التي أوردها بقوله:"وهذا ما جعل كثيراً من أهل العلم يقرون أشياء كانوا يُنْكِرونها- أو أكثرهم- منذ سنواتٍ غير بعيدة، نزولاًعلى حُكْم الضرورة ، واستجابةً لنداءِ الواقع، وتطبيقاً لرُوح الشريعة، التي أراد الله بها اليُسْر، ولم يُرِدْ بها العُسْر (446) .
وفي ذكره لأسباب المرونة في الشريعة الإسلامية يذكر من ذلك :
تقرير مبدأ تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف.
ويرى أنه مبدأ تقرر في عهده صلى الله عليه وسلم ثم في عهد الصحابة. واستدل على ذلك بموقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المؤلفة قلوبهم، وقسمة الأراضي المفتوحة ، وطلاق الثلاث وغيرها (447) .