ويؤكد هذا المعنى الشاطبي - رحمه الله - في قوله: (واعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف في الأحكام، عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب لأن الشرع موضوع على أنه " دائم أبدي "، لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية والتكليف كذلك لم يحتج في الشرع إلى مزيد وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها كما في البلوغ مثلاً، فإن الخطاب التكليفي مرتفع عن الصبي ما كان قبل البلوغ، فإذا بلغ وقع عليه التكليف، فسقوط التكليف قبل البلوغ ثم ثبوته بعده ليس باختلاف في الخطاب، وإنما وقع الاختلاف في العوائد أو في الشواهد، وكذلك الحكم بعد الدخول، بأن القول قول الزوج في دفع الصداق بناء على العادة وأن القول قول الزوجة بعد الدخول أيضًا بناء على نسخ تلك العادة ليس باختلاف في الحكم، بل الحكم أن الذي ترجح جانبه بمعهود أو أصل، فالقول قول بإطلاق، لأنه مدي عليه وهكذا سائر الأمثلة، فالأحكام ثابتة تتبع أسبابها حيث كانت بإطلاق، والله أعلم) (295) .
ونخلص بعد هذا إلى أن اجتهاد عمر في هذه المسألة ليس فيها معارضة للنص، ولا يجوز لمسلم أن يقول أن عمر أوقف حكم الآية أو ألغاه .
ثانيًا : منع الصحابة النساء من الخروج إلى المساجد :
من الأدلة التي يستدل بها القائلون بتغير الأحكام حسب تغير الظروف، حتى إن كانت ثابتة بالنصوص، ما حدث من الصحابة - رضوان الله عليهم - من منع النساء من الذهاب إلى المساجد، مع ثبوت الإذن لهن من الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كانت عائشة - رضي الله عنها - ممن قال بالمنع قائلة " لو أدرك رسول الله ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد " (296) .