ومع وضوح خطأ (الطوفي) فقد تَمَسَّك برأيه بعض المعاصرين، وألبسوا به العلمانية ثوبًا إسلاميًّا، فجعلوا العبادات وحدها هي الثابتة في الإسلام التي يلتزم فيها بالنصوص، أما في غير دائرة العبادات فالباب مفتوح على مصراعيه لتعديل النصوص وتغييرها، وحذفها وإضافة غيرها..
يقول الدكتور (النويهي) في مقالة بعنوان: (نحو ثورة الفكر الديني): (85)
"إن كل التشريعات التي تخص أمور المعاش الدنيوي والعلاقات الاجتماعية بين الناس والتي يحتويها القرآن والسنة لم يقصد بها الدوام وعدم التغير، ولم تكن إلا حلولا مؤقتة، احتاج لها المسلمون الأوائل وكانت صالحة وكافية لزمانهم، فليست بالضرورة ملزمة لنا، ومن حقِّنَا بل من واجبنا أن نُدْخِلَ عليها من الإضافة والحذف والتعديل والتغيير ما نعتقد أن تغير الأحوال يستلزمه".
ويضيف هؤلاء المعاصرون تأييدًا لرأيهم في تغير الأحكام الثابتة بالنص تبعًا لتغير المصالح بتغير الزمان حججًا جديدة؛ منها: اجتهادات عمر بن الخطاب، التي يرون أنه لم يتمسك فيها بالتطبيق الحرفي للنصوص، ومنها استبدال الشافعي لمذهبه العراقي القديم بمذهبه المصري الجديد. (86)
ونتناول هذه الحجج فيما يلي:
اجتهادات عمر بن الخطاب :
يقال: إن عمر بن الخطاب لم يلتزم بحرفية النصوص في عدد من اجتهاداته، وفيما يلي اثنان من أشهرها:
1-"اجتهاد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في قطع العطاء الذي جعله القرآن الكريم للمؤلَّفة قلوبهم كان في مقدمة الأحكام التي قال بها عمر تبعًا لتغير المصلحة بتغير الأزمان، رغم أن النص القرآني لا يزال ثابتًا". (86)
ويقول النويهي عن ذلك:
"فأي شيء هذا إن لم يكن إلغاء تشريع قرآني؛ حين اعتقد أن الظروف المتغيرة لم تعد تجيزه؟ لكن هل يجرؤ علماؤنا وكتابنا على مواجهة هذه الحقيقة الصريحة؟". (87)