أوضح الطوفي رأيه في المصلحة في ثنايا شرحه لأحد الأحاديث الأربعينية وهو حديث "لا ضر ولا ضرار" (78)، وخلاصة رأيه أن المصلحة أقوى مصادر التشريع، بل هي أقوى من النص والإجماع، وأنه في غير دائرة العبادات والمقدرات فإن المصلحة تقوم على النص والإجماع إذا عارضتهما.
يقول: " واعلم أن هذه الطريقة التي ذكرناها مستفيدين لها من الحديث المذكور - حديث لا ضرر ولا ضرار - ليست هي القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك، بل هي أبلغ من ذلك، وهي التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات، وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام.. فالمصلحة وباقي أدلة الشرع إما أن يتفقا أو يختلفا؛ فإن اتفقا فبها ونِعْمَتْ، وإن اختلفا وتعذَّر الجمع بينهما قُدِّمتِ المصلحة على غيرها.. وإنما اعتبرنا المصلحة في المعاملات ونحوها دون العبادات وشبهها؛ لأن العبادات حق للشرع خاص به، ولا يمكن معرفة حقه كمًّا وكيفًا وزمانًا ومكانًا إلا من جهته، فيأتي به العبد على ما رُسِمَ له.. وهذا بخلاف حقوق المكلفين؛ فإن أحكامها سياسية شرعية وضعتْ لمصالحهم، فكانت هي المعتبر، وعلى تحصيلها المعوَّل.. ولا يقال: إن الشرع أعلم بمصالحهم فلتؤخذ من أدلته؛ لأنا قد قررنا أن رعاية المصلحة من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها فلنقدمها في تحصيل المنافع". (79)
ويسوق لرأيه هذا عددًا من الأدلة؛ منها : (80)
1- أن النصوص إجمالا وتفصيلا قد بيَّنت أن مقصود الله -عز وجل- من تشريع أحكامه تحقيق المصلحة ورفع الحرج؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾[البقرة: 185] ، وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78] وقال عليه السلام: "الدين يسر"، وقال: "بعثت بالحنيفية السمحة".