ويرى هويدي أن معالجة التعارض بين المصلحة والنص يكون بالمنطوق التالي: (إن الحكم الشرعي في المعاملات إذا ثبت بنص قطعي أو بإجماع صريح يطمأن إليه، لا يعدل عنه إلى حكم غيره إلا في حالتين: إذا كانت المصلحة المستفادة من النص أو الإجماع مما بتغير في معاملات الناس - أو إذا قضت بهذا العدول ضرورة، لأن مواضع الضرورات مستثناة بالنص. أما النصوص التي لا تتغير مصالحها، كنصوص حِلّ البيع والإجارة والرهن وحرمة الربا والغضب، فلا عبرة بالمصلحة المظنونة في مقابلتها) (54).
وهذا المنطوق الذي يقول به، ما هو إلا محاولة لتبرير رأيه في مخالفة النص القطعي والإجماع الصريح وتقديم المصلحة عليه .
وهذا محمد سليم العوا، الذي سبق ذكر قوله عند حديثه عما هو شرع دائم، يبالغ في مكانة المصلحة، فيقول: (... وإنما كان الشرع الدائم هو تحقيق مصلحة الأمة، التي ما بعث الله الرسل في أي أمة كانوا إلا لتحقيقها، فأينما تبين وجهها فثم شرع الله ودينه) (55) .
الرد :
هذه نماذج من أقوال هؤلاء المفكرين يتبين منها كيف جعلوا السعي لتحقيق المصلحة مطلبًا أساسيًا، من أجله ردوا النصوص الثابتة، وتخطوا ما أجمعت عليه الأمة من أحكام تشريعية وفتحوا بذلك بابًا واسعًا لرد ما أرادوا من الأحكام، وقبول ما أرادوا تحت تبرير شرعية الاجتهاد، فيما يحقق المصلحة، ويمكن بيان فساد قولهم في النقاط التالية:
1 - لم يفرق أصحاب هذه الاتجاه بين ما شهد الشرع باعتباره من المصالح وغيرها. فالمصلحة من حيث شهادة الشرع لها إما أن تكون مصلحة معتبرة، أو مصلحة ملغاة، أو مصلحة مسكوت عنها (56).
والمصلحة الملغاة هي ما شهد الشرع ببطلانها، بوجود نص يدل على حكم في الواقعة، يناقض الحكم الذي تمليه المصلحة (57).