إن الشجاعة المطلقة التي تمتع بها خليفة رسول الله كانت فوق الطاقة والتدبير، لذلك طالما أثارت التساؤلات حتى قال له قائل: ( ما أراك تخشى لما قد بلغ من الناس من إغارة العدو؟ فقال: ما دخلني إشفاق من شيء ولا دخلني في الدين وحشة إلى أحد بعد ليلة الغار، فإنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رأى إشفاقي عليه وعلى الدين. قال لي - صلى الله عليه وسلم - : " هوّن عليك، فإن الله قد قضى لهذا الأمر بالنصر والتمام") (1) ومنذ تلك الساعة التي بدأت مع أول خطوات الهجرة نحو المدينة لإنشاء دولة الإسلام التي وضع أسسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعد في قواميس خليفة رسول الله سوى الانطلاق إلى الأمام، وهو في كل ذلك راض شاكر لله تعالى حتى سمي إمام الشاكرين كما سماه زيد بن علي حين قال: ( أبو بكر الصدّيق - رضي الله عنه - إمام الشاكرين) (2) والله تعالى قال: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ (آل عمران: من الآية144)فكانعلي - رضي الله عنه - إذاذكرعندهأبوبكر الصديق - رضي الله عنه - قال: (السباقتذكرون؟السباقتذكرون؟والذينفسيبيدهمااستبقناإلىخيرقطإلاسبقناإليهأبوبكر) (3) فهذه المواقف هي التي أهّلته ليصطفيهرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتخذه صاحباً ومستشاراً ومؤانساًونصيراً بعد الله تعالى، في أحرج المواقف وأصعب الظروف، فكان في الغار ثاني اثنين، وفي عريش بدر كذلك، وثبت معه في جميع المشاهد، ومن قبل ذلك دافع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة وضُرب من أجل أن لا يؤذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كاد يدفع حياته ثمناً لصدق محبته وافتدائه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بروحه ودمه وماله.
(1) ابن عساكر: تاريخ دمشق، 30/317.
(2) ابن عساكر: تاريخ دمشق،30/318.
(3) الطبراني: المعجم الأوسط (7168) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: ح (43567).