أما موقفه من المرتدين ومانعي الزكاة فإنما غرابتهأنهوجد نفسه وحيداً بعد وفاةصاحبه - صلى الله عليه وسلم - الذي اهتزت واضطربت لوفاته جزيرة العرب وأعلنت تمردها وصارت بعض قبائلها تغزو المدينة نفسها في موقف عصيب تميد له الشُم الراسيات، ولا سيما بعد ما التبس الأمر على الصحابة في مسألة قتال من تمرد على الخلافة وهو لا زال يقول بلسانه لا إله إلا الله، حتى قال عمر - رضي الله عنه - : ( يا خليفة رسول الله، تألفالناسوارفقبهمفإنهمبمنزلةالوحشفقال:رجوتنصركوجئتنىبخذلانك،جبارفىالجاهليةخوارفىالإسلام،ماذاعسيتأنأتألفهم،بشعرمفتعلأوبسحرمفترى،هيهاتهيهات،مضىالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وانقطعالوحي،واللهلأجاهدنهممااستمسكالسيففييدي،وإنمنعونيعقالاً،قالعمر:فوجدتهفيذلكأمضىمنيوأصرم،وأدّبالناسعلىأمورهانتعليّكثيرمنمؤنتهمحينوليتهم) (1) فياله من موقف أثمر نجاح أمة قادت الدنيا قرونا، موقف يدهش من يمعن النظر في ظروفه وأبعاده، حيث يقف المتابع مذهولاً أمام صلابته ورباطة جأشه وثبات قلبه، وقد اجتمع حوله الصحابة - رضي الله عنهم - يرجونه أن يلين ويوافقهم على إرجاع جيش أسامة - رضي الله عنه - ليستعينوا به في قتال المرتدين وحماية المدينة، وهم يشرحون له حراجة الموقف وتغير الظرف فما يزيدونه إلا عزما ومضاء! ويقسم أن لن يرد لواء رفعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن لا يحل عقدة عقدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده، وأنه لن يرجع جيش أسامة عن وجهته التي وجهه إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
(1) السيوطي: جامع الأحاديث، ح (27904) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: ح (16838).