وفي هذه المعاني تتجلى مظاهر ثقافة الرضا والقناعة، والثقة وقوة الصبر والتحمل الذي كان يتمتع به أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، مما مكنهم أن يتجاوزوا ما مرّ بهم من المحن العسكرية والسياسية والاقتصادية، وقدرتهم على معالجة تلك المعضلات التي واجهتهم في حياتهم، وتأقلمهم مع الأحوال التي مرت بها دولتهم في بدايات نشأتها، واتضح أن المغانم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانت تتمثل في الإيثار والتخفف من الدنيا بقدر المستطاع، وبذل الجهد في ميادين المعالي التي تخدم الدين والأمة، إلا أنّ هذا لا يعني التواكل وترك العمل والأخذ بالأسباب، وإنما يعني تكوين ثقافة صلبة قادرة على مواجهة جميع التحديات التي تعترض المسلم في حياته، يبين ذلك أن كثيراًَ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا أصحاب زرع وضرع، وتجاراً أغنياء وأصحاب أموال وعقارات وغيرها، فلا تنافي بين ذلك ما دام المسلم يؤدي حقوق الله تعالى فيما يملك، ويرضى بما يقسمه الله تعالى له من غير ضجر ولا تململ، ومن غير أن تكون الحاجة سبباً في سلوك وسائل الكسب اللامشروع، الذي يصرف المسلم عن المواقع التي ترتقي به إلى أن يكون أهلاً لمحبة الله تعالى له.
وقالها النّبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض عوام أصحابه وغربائهم في المدينة