لأجل هذا الملحظ كانت نظرية العلة خلوا من قواعد تامة وقوانين صارمة ، بل تعتمد على شفافية شديدة في لقط الأخطاء والتنقيب عن الأوهام ، فهي أشبه بمبضع الجراح الذي يعالج عروقا شديدة الصغر ، حاديه في ذلك قوة النظر وكمال الإتقان .
وقد صنف علماء كثر من المحدثين يف علم لعلل لكن غالب مؤلفاتهم كانت تطبيقية ولم تنح جانب التأصيل والتقعيد ، وذلك ما أسلفنا من الأسباب .
لكن وجدت محاولة لبعض المتأخرين من المحدثين في تقعيد نظرية العلة ، جديرة بالبحث والعرض لأنها تعد ثورة اخرى في هذه النظرية الفذة عند المحدثين .
إنه ابن رجب الحنبلي الذي شرح علل الترمذي في مجلد من شرحه على الجامع للترمذي المعروف بالسنن .
وأهمية شرح ابن رجب تكمن في الجز الذي تمم به علل الترمذي وكمل به منحاه واتجاهه، فقد ألف الترمذي كتابه " الجامع المختصر من السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل "(1) وضمنه كتابا في معرفة علل الحديث ، ذكر فيه ما ورد في كتابه من الأحاديث المعللة والرواة المجروحين وأخطاء الثقات ومعنى الحديث الحسن الذي استخدمه في أحكامه على الأحاديث في كتابه ، وحكم العمل بالمرسل ، وصدر الكلام بذكر أهمية الإسناد ، وتأصيل علم الجرح والتعديل وضرورته وذكر أشهر علماء الجرح والتعديل ومن يعول عليهم في معرفة علل الحديث .
(1) هذا هو الاسم الذي استعمله كثير من الأئمة منهم الحافظ أبو القاسم الإسعردي (توفي 692هـ) في جزئه " فضائل الجامع لأبي عيسى الترمذي " ص38 ،وكذلك من قبله ابن خير الإشبيلي (توفي 575هـ) في فهرست ما رواه عن شيوخه ، وقد وقف الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة على مخطوطتين قديمتين لجامع الترمذي كتبت إحداهما قبل سنة 480هـ والأخرى سنة 582هـ وعلى أول النسختين أثبت هذا الاسم .انظر : الإسناد من الدين ، عبد الفتاح أبو غدة ص 14 التعليق .