ولا جواب عن هذا إلا أن يقال : الدليل السمعي لا يكون قطعيا وحينئذ فيقال : هذا مع كونه باطلا فإنه لا ينفع ، فإنه على هذا التقدير يجب تقديم القطعي لكونه قطعيا لا لكونه عقليا ، ولا لكونه أصلا للسمع ، وهؤلاء جعلوا عمدتهم في التقديم كون العقل هو الأصل للسمع ، وهذا باطل .. وإذا قدر أن يتعارض قطعي وظني لم ينازع عاقل في تقديم القطعي ، لكن كون السمعي لا يكون قطعيا دونه خرط القتاد.
وأيضا فإن الناس متفقون على أن كثيرا مما جاء به ا لرسول معلوم بالاضطرار من دينه كإيجاب العبادات وتحريم الفواحش والظلم وتوحيد الصانع وإثبات المعاد وغير ذلك .
وحينئذ أحدهما : فلو قدم هذا السمعي قدح في أصله وإن قدم العقلي لزم تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فيما علم بالاضطرار أنه جاء به ، وهذا هو الكفر الصريح ، فلا بد لهم من جواب عن هذا .
والجواب عنه أنه يمتنع أن يقوم عقلي قطعي يناقض هذا .
فيتبين أن كل ما قام عليه دليل قطعي سمعي يمتنع أن يعارضه قطعي عقلي ، ومثل هذا الغلط يقع فيه كثير من الناس ، يقدرون تقديرا يلزم منه لوازم ، فيثبتون تلك اللوازم ولا يهتدون لكون ذلك التقدير ممتنعا " (1).
والحاصل أن ابن تيمية يمنع افتراض حصول تعارض بين القطعي السمعي والقطعي العقلي ، وما نقلناه آنفا كان دليلا إجماليا ، ثم فصل ذلك في بقية أجزاء الكتاب الذي يقع في عشر مجلدات كبار، ومضمون كتابه يدور حول فانون التأويل الذي اخترعه المعتزلة بتقديم العقل على النقل ، وحدده الأشاعرة بالتوفيق بينهما ، وكلتا الطائفتين – المعتزلة والأشاعرة – قد سلموا بوجود احتمال تناقض دليل قطعي سمعي مع دليل قطعي عقلي ، وهو ما منعه شيخ الإسلام ابن تيمية .
(1) درء تعارض العقل والنقل . أحمد بن تيمية . تحقيق محمد رشاد سالم (1/79-81) .