لكن سبقه إلى أصل الفكرة قدامى المحدثين أمثال ابن قتيبة وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم من أئمة النقد (1).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " إذا قيل تعارض دليلان ، سواء كانا سمعيين أو عقليين ، أو أحدهما سمعيا والآخر عقليا ، فالواجب أن يقال : لا يخلو أن يكونا قطعيين أو يكونا ظنيين وإما أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا .
فأما القطعيان فلا يجوز تعارضهما ، سواء كانا عقليين أو سمعيين ، أو أحدهما عقليا والآخر سمعيا ، وهذا متفق عليه بين العقلاء ، لأن الدليل القطعي هو الذي يجب ثبوت مدلوله ، ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة .
وحينئذ فلو تعارض دليلان قطعيان وأحدهما يناقض مدلول الآخر للزم الجمع بين النقيضين ، وهو محال ، بل كل ما يعتقد تعارضه من الدلائل التي يعتقد أنها قطعية لا بد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي ، أو أن لا يكون مدلولاهما متناقضين ، فأما مع تناقض المدلولين المعلومين فيمتنع تعارض الدليلين .
وإن كان أحدد الدليلين المتعارضين قطعيا دون الآخر فإنه يجب تقديمه باتفاق العقلاء ، سواء كان هو السمعي أو العقلي ، فإن الظن لا يرفع اليقين .
وأما إن كانا جميعا ظنيين فإنه يصار إلى طلب ترجيح أحدهما ، فأيهما ترجح كان هو المقدم سواء كان سمعيا أو عقليا .
(1) صنف ابن قتيبة " مختلف الحديث " وسبقه الإمام الشافعي كن لم يقصد الاستيفاء ، وكان ابن خزيمة يقول : " لا أعرف حديثين متضادين ، فمن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما " ( انظر تدريب الراوي للسيوطي 2/196) وصنف ابن حبان كتابه : التقاسيم والأنواع المعروف بصحيح ابن حبان مراعيا دفع كل ما يتوهم فيه التعارض بين الروايات ، وصنف الطحاوي " شرح مشكل الآثار " وهو كتاب ضخم نفيس يدل على طول باع وقد طبعت تلك الكتب كلها .