إن البيروني نفسه لا يعطي للعقل كل الثقة في نقد الأخبار ، ويقرر أنه لا سبيل إلى الحكم على تاريخ الأمم الغابرة وأحوالها باستعمال الاستدلال العقلي أو القياس على المشاهد ، فلا مناص إذن من الاعتماد على الأخبار التي يشهد بها كتاب معتمد على صحته أو التي تلحق بذلك وتتوفر فيه شرائط الثقة في الظن الأغلب (1).
ومن الطريف أن يقال ايضا أن من الفلاسفة الغربيين المحدثين من ينكر إمكانية تحصيل المعرفة اليقينية عن طريق العل ، فالعقل نفسه ما هو إلا مجموعة من الإحساسات تتعاقب بتأثر تداعي المعاني ، والعلية بمعناها التقليدي وهو وجود رابطة ضرورية تقوم بين العلة ومعلولها أمر باطل ، فالعلية ماهي إلا التعود والاعتقاد وتداعي المعاني في العقل ، وليس هو قانونا حتميا يحكم كل ظاهر الكون(2) .
والعجيب أننا نرى صروح العقلانية تنهار في أوروبا حصنا بعد حصن ، وتئوب الإنسانية إلى الاعتراف بجهلها بالكون من فرط اتساع اكتشافات العصر ، وقصور عقلها عن تحصيل المعرفة بكامل أبعادها ، وتظهر نظريات علمية تجعل الكثير من الثوابت العقلية مجرد زاوية واحدة من زوايا الحقيقة المطلقة ، ومع ذلك كله نرى بعض الباحثين يصرون في تبعية غريبة ، بل ورجعية غير مبررة على اجترار قواعد نقدية بالية استخدمها العقل الأوروبي تحت ظروف حقبة حضارية معينة ، ليجعلوها سيفا مصلتا على أي خبر في أي حقبة حضارية أخرى .
والنقد العقلي ليس له ضابط أو قاعدة تحكمه ، ومن ثم لم يعتبره كل العلماء في أخبار المعجزات التي ثبتت عن الأنبياء والكرامات التي ثبتت للأولياء ، لأنه لا مجال للعقل فيها نفيا أو إثباتا ، إذ مبنى المعجزات والكرامات على خرق المعتاد الذي تألفه العقول .
(1) كتاب الآثار للبيروني ص4-14 ، وانظر تاريخ الفلسفة في الإسلام . ج دي بور ، ترجمة محمد أبو ريدة ص300.
(2) انظر أسس الفلسفة . توفيق الطويل ص210 .