أما تأثيرهم في بيئة المحدثين والفقهاء فلا يمكن التسليم به من ناحية منهج النقد ، والباحث لم يأت بأي دليل على ذلك ، بل إنه أشاد بجهود ابن قتيبة في كتابه "مختلف الحديث " في تنظير مبدأ النقد العقلي ، لكن الباحث فاته أن ينبه أن كتاب ابن قتيبة هذا مؤلف أصلا للرد على المعتزلة ومنهجهم العقلي في قبول ورد الآثار ، وأنه أراد أن ثبت في كتابه عدم وجود تعارض بين العقل والنقل وبين الآثار بعضها مع بعض .
والأعجب من ذلك كله أن الباحث يستدل على أن المحدثين استخدموا النقد العقلي بأثر ورد عن إبراهيم النخعي يقول فيه : " كانوا يكرهون غريب الكلام وغريب الحديث " ، ففهم الباحث أن المقصود بغريب الحديث أنه المخالف للعقل ، وهذا ليس بصائب ، فغريب الحديث مصطلح معروف عند المحدثين يريدون به الأحاديث التي لها سند لا يعرفه الثقات ، أو المرويات التي تخالف ما يرويه المتقنون ، فهو مصطلح نقدي يعود للإسناد وليس للمتن ، ومن صنف في ذلك أبو إسحاق الحربي كتابا سماه " غريب الحديث " أي الأحاديث التي لا يعرفها الحفاظ المتقنون ولا تروى بالأسانيد الصحيحة المعروفة (1).
ويطلق مصطلح غريب الحديث على الألفاظ الغريبة التي لا يشيع استعمالها في العرف الساري وتحتاج إلى بحث واستقصاء في معاجم اللغة ، وصنف فيه الزمخشري وابن الأثير وغيرهما ، ولكن هذا المصطلح غير مراد في أثر إبراهيم النخعي ، وإنما قصد إبراهيم النخعي المصطلح الذي ذكرناه أولا .
(1) "الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات " طارق عوض الله ص73 ، وفيه نقل عن أحمد بن حنبل قوله : " إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون : هذا حديث غريب أو فائدة فاعلم أنه خطأ أو دخل حديث في حديث أو خطأ من المحدث ، أو حديث ليس له إسناد وإن كان قد روي شعبة وسفيان " .