والشافعي رحمه الله يلمس مكمن القضية ومحك النزاع حين يجعل الأصل في معرفة صدق الحديث أو كذبه إنما هو سنده ، وفي حالات استثنائية يصار إلى تخطئة الراوي من حيث روايته ما لا يكون مثله وذلك بالعرض على مرويات من هو أصدق منه فيستبين أنه روي خطأ ودخل التخليط فيما يرويه .
وهذه بعينها نظرية العلة التي ذكرناها ونظرنا لها من كلام أهل العلم .
والعلة هي المصير الذي جب أن نعتبره في نقد الحديث إذا نظف إسناده وبدر منه وجه خطأ، لأن الثقة يخطئ .
فإذا كان في السند ضعيف أو متروك أو متهم فالإحالة عليه أولى من الإحالة على مجرد نقد ظاهر المتن بمجرد العقل .
ولقد حاول بعض الباحثين أن يستدرج منهج المدرسة العقلية الاعتزالية في الموازنة مع منهج المحدثين ،معتبرا أن المعتزلة " وضعوا قواعد عامة لنقد السند أو المصدر تقوم على التحري والتثبت والتحقق منصحة المصدر ، وأنهم لمينقدوا السند فحسب ، بل المتن ومضمونه كذلك ... بل يعتبرهم أصحاب السبب المباشر في إحداث حركة رد الفعل في بيئة المحدثين والفقهاء من أهلا لسنة والفقهاء ومدرسة النقل "(1) .
ولم يكن الصواب حليفا له في كل ذلك . فالمعتزلة لا تعرف لهم عناية بأصول الرواية أصلا ، بل عداؤهم لأهل الحديث أشهر من أن نثبته ونوثق له(2) ، أما نقدهم لمضمون الخبر فهو مندرج تحت نظريتهم الكبرى في اكتساب المعرفة ، والقائم على التحسين والتقبيح العقليين ، والباحث نفسه قد أشار إلى ذلك .
(1) منهج النقد التاريخي الإسلامي والمنهج الأوروبي . عثمان موافي ص167 .
(2) ويمكننا أن نشير إلى فصول محنة خلق القرآن التي تعرض لها الإمام أحمد بن حنبل ، وإلى كتابات الجاحظ ضد المحدثين وقد أورد الباحث جملة منها في كتابه .