تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والناس متفاوتون في قدراتهم على التحمل ... فما يطيقه هذا قد لا يطيقه ذاك .. ولهذا وجدت في الشريعة العزائم والرخص وهي إحدى سمات التكامل والواقعية في المنهج الإسلامي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى هذا فيقول ((إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة يكره أن تؤتى معصيته )) ويقول ((إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه )).

أذكر أن أحد الأخوة أقسم ليحفظن القرآن عن ظهر قلب خلال فصل صيف .. ولقد اجتهد في ذلك ولكنه لم يتمكن فسخط على نفسه سخطاً شديداً وصمم لينتقمن منها أبشع انتقام .. فما كان منه إلا أن حرم نفسه من كل ما أحل الله له ... بدأ بصيام متتابع لا يفطر إلا لماماً وبقيام متتابع لا ينام سهواً .. ثم انقطع عن دراسته وباع كتبه وأثاث غرفته ولقد انتهي به الأمر بعد ذلك إلى (مستشفي للأمراض العصبية) وإلى عيبته عن الدعوة بالكلية ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ...

وأذكر آخر كان لا يحب أهل الغنى من إخوانه وكان معدوماً بائساً .. ولم يغير حاله معهم ونظرته إليهم ما كانوا يحيطونه به من اهتمام ومساعدة وعون .. وكان لا يفتأ ينتقدهم كلما سمحت له الفرصة .. فإن اشترى أحدهم شقة عادية للسكن فهي في نظره قصر لا يجوز اقتناؤه والسكن فيه .. وإن اقتنى أحدهم سيارة فهو عنده إسراف وتبذير مستدلاً بقوله تعالى ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً ﴾ الإسراء 27 ] ثم لم يلبث هذا الأخ أن اغتنى بعد فقر ودخل في التجربة والامتحان فلم يكن منه إلا أن طلق الدعوة بالكلية وأقبل على الدنيا بدون روية .. فالزاهد إذن ليس الفقير الذي ليس في جيبه دينار ولا درهم إنما الزاهد الذي إن أقبلت عليه الدنيا لا يفرح ولا يطغى وإن أدبرت لا يحزن ولا يكفر ....

المتساقطون على طريق الدعوة - كيف .... ولماذا؟ · الصفحة ٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المتساقطون على طريق الدعوة - كيف .... ولماذا؟ص ٤٨