أجاب عن هذا الاعتراض:
قال: «إن ثمة فارقًا بين هذه الحوائل, وبين الخفين من جهة، وبينها وبين التيمم من جهة أخرى.
فأما الفارق بينهما وبين الخفين: فإنه لا يجوز المسح عليها مع القدرة على غسل العضو بخلاف الخفين.
وأما الفارق بينهما وبين التيمم: فإن التيمم عبادة مستقلة عن أصل الغسل والوضوء، لا بدل عن أجزائها، بخلاف هذه الحوائل فإنها لا يغني بدلها عنها، ولما كان الغسل والوضوء مطلوبان وجبت العناية بمراعاة أجزائهما، ولما فقد التيمم أعراض الطهارتين لم يراعَ فيه أجزاؤهما» (1).
استدل أصحاب المذهب الثاني على أنه لا يجب استيعاب الجبيرة وما في حكمها بالمسح بما يلي (2):
المعقول:
1 - إن المسح على هذه الحوائل مسح على حائل منفصل كالخف، فلا يستوعب بالمسح, وإنما يكفي فيه ما يصدق عليه اسم المسح، قياسًا على مسح الرأس في الوضوء الذي يكفي فيه ذلك.
2 - إن الشرع قد ورد بتقدير مسح الرأس, والمسح على الخفين، فلا تجوز الزيادة على المقدر، وأما في المسح على هذه الحوائل فلا تقدير من الشارع، بل ورد بالمسح عليها مطلقًا، وظاهره يقتضي الاستيعاب، إلا أن هذا لا يخلو من الحرج، فأقيم مسح الأكثر مقام الجميع.
المناقشة والترجيح:
إن الذي يترجح في النظر من هذين المذهبين –بعد استعراض أدلتهما- هو مذهب القائلين بوجوب استيعاب الجبيرة وما في حكمها بالمسح؛ وذلك لما استدلوا به؛ ولأن المسح على هذه الحوائل, وإن لم يرد فيه تقدير عن الشارع، إلا أن ما وضعت عليه كان يعمم بالغسل, فينبغي أن يعمم ما وضع عليه بالمسح كذلك؛ لأن تعميمها بالمسح لا يشق على من وضعها، ولا يلحق به حرجًا، فوجب عليه ذلك؛ لأنه مأمور بتحصيل التكاليف الشرعية بحسب الوسع والطاقة.
أما ما استدل به القائلون لعدم وجوب استيعاب هذه الحوائل بالمسح، فلا يقوم حجة عليهم على ما ذهبوا إليه؛ وذلك لأن القياس على مسح الرأس في الوضوء قياس باطل؛ لأن الأصل مختلف فيه بين الفقهاء، فمنهم من قال بإجزاء ما يصدق عليه اسم المسح ولو شعره واحدة، ومنهم من رأى أنه لا يجزئ إلا مسح ثلث الرأس، ومنهم من قال: «إنه لا يجزئ إلا مسح ثلثي الرأس» ومنهم من ذهب إلى إجزاء مسح مقدار ربع الرأس من أي جانب، ومنهم من أوجب استيعابه بالمسح، فلا يجزئ أقل منه (3).
(1) المصدر السابق.
(2) العناية 1/ 140 - 141، بدائع الصنائع 1/ 111، المهذب 1/ 37، مغني المحتاج 1/ 95.
(3) فتح القدير 1/ 17، بدائع الصنائع 1/ 88، حاشية الدسوقي 1/ 88، بداية المجتهد 1/ 12، الرملي، نهاية المحتاج 1/ 174، مغني المحتاج 1/ 53، المغني 1/ 93، المحلى 1/ 73.