بعد استعراض أدلة هذين المذهبين، والاعتراضات الواردة على بعضها، فإني أميل إلى مذهب القائلين بجواز المسح على الجبائر؛ وذلك لما استدلوا به من السنة في مجموعها، وإجماع الصحابة، والمعقول، وما اعترض به على بعض هذه الأدلة لا ينال من حجتها على مذهبهم، فإن حديث علي - رضي الله عنه - وإن ضعَّفه المحدثون، إلا أنه يتعضد بالأحاديث الأخرى الدالة على جواز المسح على الجبائر، وما اعترض به الشوكاني والصنعاني على حديث جابر قد أجيب عنه، فبقيت حجته على مذهب هؤلاء، وما اعترض به ابن حزم على حديث ثوبان لا وجه له؛ لأن قوله: «إن هذا الحديث لا يصح من وجهة الإسناد» ينقضه قول الحاكم فيه: «إنه صحيح على شرط مسلم» وقول ابن حزم: «إنه لا حجة فيه؛ لأن العصائب هي العمائم والتساخين هي الخفاف» قول يدفعه أن العصائب في عرف أهل اللغة هي ما يعصب به، أعم من أن تكون عمائم أو غيرها (1)، وأن التساخين تطلق على الخفاف, وعلى ما يشبه الطيالس وعلى غيرها (2).
ويقال للبيهقي وغيره في اعتراضهم على السنة: «إنه ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يفيد جواز المسح على الحوائل جملة، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، وهي تعضد في مجموعها مذهب القائلين بجواز المسح على الجبائر، بل إن ما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - من مسحه على العصابة لا يكون منه إلا عن توقيف، وإذا صح هذا عنه, فقد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا مدخل للرأي فيه؛ ولهذا فلم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة، فكان إجماعًا منهم على جوازه، وهم لا يجمعون على أمر نكر.
وبهذا يندفع اعتراض ابن حزم على ما روي من فعل ابن عمر، وأما ما اعترض به على القياس على مسح الخف فلا وجه له؛ وذلك لأن قياس مسح الجبيرة على مسح الخف ليس من جهة توقيت المسح وغيره, وإنما من جهة المشروعية وعدمها، ولما كان كل منهما حائلاً يمسح عليه بالماء، وكان الضرر في نزع الجبيرة فوق الضرر في نزع الخف, كانت الجبيرة أولى بشرعية المسح من الخف، أعم من أن تكون صفة المسح الشرعية هي الوجوب أو الندب.
أما ما استدل به ابن حزم على مذهبه، فلا يفيده فيما ذهب إليه من عدم جواز المسح على الجبيرة؛ وذلك لأنه صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يفيد المسح على الحوائل، وفعل ذلك بعض الصحابة, ولم ينكر عليهم غيرهم، وهم لا يسكتون على باطل؛ ولأن التكليف بالمسح على الجبيرة بالماء يدخل تحت قدرة المكلف ووسعه, فلزمه الإتيان به؛ لأنه مأمور بتحصيله بحسب وسعه وطاقته، ولم يصرح ابن حزم بمن منع من جواز المسح على الجبائر من السلف، وإن كان المرجح أنهم غير الصحابة؛ لثبوت إجماع هؤلاء على جواز المسح، فإن كان هؤلاء السلف من غير الصحابة فلا يحتج بقولهم على غيرهم.
الفرع الثاني
(1) القاموس المحيط /148 (عصب).
(2) المصدر السابق /1555 (سخن).