تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من ذلك ترون أيها السادة أن اليهود لم يكونوا في فلسطين إلا غزاة غاصبين تمكنوا في إحدى غفلات الدهر من اجتياح شطر من هذا الإقليم والاستقرار فيه بعامل القهر والتغلب، ولم يعترف لهم سكان البلاد الأصليون في وقت ما بهذا الحق، بل كانوا دائما يناهضونهم ويقاتلونهم، ويحاولون استرداد الأرض التي انتزعوها منهم، فلم تمر سنة من مكوثهم في فلسطين إلا اصطلوا بنار حرب لهم أو عليهم، ولم تطل مدة ملكهم إلا أقل من ثلاثة قرون، قبل السبي الآشوري، ولم تقم لهم بعد السبي الآشوري والبابلي قائمة ملك، ولا كان لهم دولة، بل أصبحوا رعايا للآشوريين، فالبابليين، فالفرس، فاليونان البطالسة، فالرومان، أسوة بالشعوب الأخرى التي اندمجت في سيطرة هذه الإمبراطوريات. ولم يكن في هذه العهود لليهود وطن قومي خاص بهم، بل كانوا منتشرين في الأقاليم المختلفة، أقلية في كل مكان إلا في مدينة أورشليم، وبعض الكور في جوارها، من غير أن يكون لهم فيها حكم أو سلطان. ولما اشرأبت أعناقهم إلى الحكم، وإقامة وطن قومي لهم في عهد المكابيين أنكر عليهم ذلك قياصرة الرومان، وحمل عليهم القيصر تيطس الروماني في سنة 70 بعد الميلاد، وحاصرهم في أورشليم إلى أن فتحها قهرا، وقتل منهم نحو مليون نفس، وسبى الباقين، وفرقهم في أنحاء دولته العظيمة، وحرم على كل يهودي العودة إلى أورشليم أو إلى الإقليم الفلسطيني الذي بقي خاليا منهم أكثر من ستة قرون، إلى أن سمح لهم بعد الفتح الإسلامي بالسكنى، أينما أرادوا، فتسلل إليها عدد قليل منهم أقاموا في أنحائها، ولم يبلغ عددهم فيها عند الاحتلال الإنكليزي أكثر من 55 ألفا.

إن تاريخهم القديم، المسرود في التوراة مملوء بالفجائع والفظائع، واحتلالهم كما هو معترف به في ذلك التاريخ المفصل كان قائما على قرض السكان أصحاب البلاد الأصليين وإبادتهم، وقد مضى عليهم إلى اليوم 19 قرنا وهم متفرقون في أقطار الدنيا، لا يجمعهم كيان سياسي، وإنما ظل البعض منهم يمنون أنفسهم بآمال خائبة بإعادة سيرتهم الأولى، واغتصاب القطر الفلسطيني من سكانه، ليجعلوه وطنا قوميا، ويقيموا فيه معالم الدولة التي تمتعوا بقسم منه ثلاثة قرون، وعجزوا عن الاحتفاظ بها ستة وعشرين قرنا منذ السبي الآشوري، في القرن الثامن قبل الميلاد حتى اليوم. فهذا الاحتلال القديم الذي يستندون إليه لم يكن حقا مشروعا، بل دخلوا البلاد بالقوة القاهرة، وأخرجوا منها بالقوة القاهرة، ومن أخذ بالسيف وأخذ منه بالسيف تتهاتر عنده الحجة؛ قهر بقهر، والبادئ «أظلم». تقوم الحكومة البريطانية اليوم بإعادة الكرة للمرة الثالثة، وتعتمد على مدافعها وطياراتها وسائر آلاتها الحربية، لتحمي أنصارها اليهود، وتقيم لهم وطنا قوميا، في سوريا الجنوبية، وستفشل خطتهم هذه المرة كما فشلت الخطط العنيفة التي تقدمتها في التاريخ؛ لأنها بنيت على فساد، ولا يدوم على الفساد شيء. الوعد البلفوري الشهير محكوم عليه بالفشل المحتوم، ولا بد أن يثوب ساسة الإنجليز إلى الرشد، ويعرفوا أن أمرهم بالتصرف بملك الغير باطل، بحكم كل شرع معروف، ومصدر هذا الأمر غير ملزم بتنفيذ أمره، ما دام البلد الفلسطيني ليس ملكا للواهب. بل هو ملك للعرب المقيمين فيه، منذ القديم، وما دام العرب لم يجيزوا هذا العقد الفضولي، وهم في جميع أقطارهم عازمون بالإيمان الذي لا يتزلزل على الاستعانة في مقاومة هذا العمل الجائر، والاستمرار بالكفاح مهما يطل أمده، وتتفاقم ويلاته.

المشكلة اليهودية أصبحت مشكلة عالمية لا تتسع فلسطين إلى تحملها، فهي إقليم صغير لا يمكن أن يستوعب - على فرض خلوه لهم - عشرهم، فأين يذهبون بالأعشار التسعة الباقية؟ يوم بذلوا لهم وعد بلفور لم تكن قائمة معاضل طردهم من أكثر البلاد، فالحال اليوم قد تبدلت تبدلا يوجب إعادة بهذا الوعد الأهوج والتطلع إلى قطر آخر يتسع لبضعة عشر مليونا منهم.

المسألة اليهودية · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة اليهوديةص ٧٤