وألقى في المؤتمر فارس الخوري بك - رئيس مجلس النواب السوري يومئذ، ورئيس الوزارة السورية بعدئذ - خطابا جاء فيه:
زعموا أن لليهود حقا مغصوبا في الشطر الجنوبي من سوريا، وأنهم بإعطائهم منه وطنا قوميا يبعثون لهم حقا قديما، وهم لو أنصفوا في الحكم وعرفوا منشأ هذا الاغتصاب، الذي يسمونه حقا؛ لتبين لهم فساد الحجة، ووهن البرهان. حل سيدنا إبراهيم مع ابن أخيه لوط من موطنه الأصلي في العراق منذ أربعين قرنا مع عبيده، وإمائه، ونزل في وادي الأردن ثم هجر إلى مصر وأقام فيها برهة من الزمن وعاد إلى أغوار الأردن، حيث بقي ابنه إسحاق، وحفيده يعقوب، إلى أن لحق مع أنساله بابنه يوسف إلى مصر، ونالوا حظوة عند ملوكها في دولة الهكسوس الأعراب الذين كانوا مالكي مصر؛ فتناسلوا وتكاثروا في نحو خمسة قرون إلى أن دالت دولة غزاة الهكسوس الأعراب في مصر، وعاد الملك إلى أهله من المصريين، فضاق باليهود ذرع الفراعنة، وخشوا مؤامراتهم ودسائسهم مع أعداء مصر الأجانب؛ فعمدوا إلى التضييق عليهم، واستخدامهم بالأشغال الشاقة كأسرى الحروب لأجل خضد شوكتهم، واجتناب الغائلة من ناحيتهم، وعمدوا إلى قتل أبنائهم والبغاء على بناتهم، فنهض بهم موسى الكليم في أواخر القرن الرابع عشر قبل المسيح، وهربوا جميعا عابرين برزخ السويس إلى برية سينا، حيث تاهو أربعين عاما، دخلوا بعدها، غازين الإقليم الفلسطيني، من جهة جنوبه الشرقي، التي كانت مفتحة الأبواب لخلوها من المعاقل والحصون، مكتسحين البلاد، قرية قرية، ومدينة مدينة، وشعارهم الإبادة والتقتيل، ولا يعفون حتى عن الحيوانات السائمة، زعما منهم أن الرب يهوذا الذي كانوا يحملون تابوت عهده أقطعهم أرض الميعاد هذه وأمرهم بتطهيرها من كل حي يعيش فيها لتخلو لهم وحدهم يقطنونها مطمئنين، ويتلذذون بما تفيض عليهم من اللبن والعسل.
استمر هذا الفتح الوحشي نحو ثلاثة قرون، من عهد موسى الكليم سنة 1300 إلى عهد داود، وابنه سليمان الحكيم، في سنة 1015 قبل الميلاد، حين بلغت دولتهم أوسع حدودها. ولم يتمكنوا من تثبيت أقدامهم في الأرض إلا عندما استولى ملكهم الثاني داود النبي على حصون أورشليم، وجعلها عاصمة لملكه في سنة 1050 قبل الميلاد، واستمرت المعارك سجالا بينهم وبين الفلسطينيين والكنعانيين، الذين فروا أمامهم، وتجمعوا في ساحل البلاد الغربي أو في المناطق الشمالية طول مدة اغتصابهم، إلى أن دالت دولة اليهود وخلت منهم الديار.
امتدت الأرض التي استولوا عليها من دان شمالي بحيرة الحولة في الشمال، إلى بير السبع في الجنوب. وأما من الشرق فلم يمكنهم الأنباط العرب من المؤابيين والعموريين، من التوسع إلا على مساحة ضيقة على الضفة الشرقية، من وادي الأردن في اليرموك والزرقاء، فاقتسموا هذه الأرض التي أبادوا سكانها وأخرجوهم من ديارهم بين أسباطهم الاثني عشر، واستقروا عليها عهدا قصيرا، لا يتجاوز ثلاثة قرون، قضوها بالقتال الدائم مع سكان البلاد الأصليين الذين كانوا يغتنمون كل فرصة لاسترداد وطنهم من هؤلاء الغزاة المعتدين، وضعفت دولتهم بعد موت سليمان بانقسام الأسباط، وشطر المملكة إلى شطرين؛ أحدهما في أورشليم لسبطي يهوذا وبنيامين، والآخر في السامرة «نابلس» بالشمال للأسباط العشرة. وقد أغار عليهم مرارا فراعنة مصر وملوك آرام واكتسحوهم، وحاولوا إجلاءهم عن البلاد وإعادتها إلى أهلها، إلى أن تم ذلك لسرجون الآشوري - ملك نينوى - سنة 722 قبل الميلاد، فحطم مملكتهم الشمالية، وأجلى اليهود عنها، وردهم إلى مخرجهم الأصلي، في شرق الفرات، وأعاد الكنعانيين والفلسطينيين المشردين إلى ديارهم.
وفي سنة 586 قبل الميلاد، أغار نبوخذ نصر - ملك بابل - على أورشليم، وهدم أسوارها وهيكلها، وأجلى يهود المملكة الجنوبية وحملهم إلى الأهواز في شرقي الدجلة؛ فخلت أراضي فلسطين من اليهود خلوا تاما، وهكذا بقوا بعيدين عنها، إلى أن دالت دولة بابل بتغلب كورش الفارسي عليها، فأذن لهم ملوك الفرس بالعودة إلى أورشليم، في أوائل المائة الرابعة قبل الميلاد ، فأخذوا بالعودة تدريجيا، بحماية ملك مادي وفارس، وأعادوا بناء الهيكل والأسوار تحت حماية حراب جنوده، الذين صدوا عنهم غارات العرب والنبط وسائر عشائر كنعان وفلسطين بقيادة جشم العربي، ولم يلتفت ذلك الملك العظيم إلى عرائض الاحتجاج، التي تقدمت بها وفود البلاد والتمست العدول عن ذلك القرار، بل كان يجيبهم بأن شريعة مادي وفارس لا تنسخ، فعليهم أن يذعنوا ويطيعوا، وهكذا تمكن فلول اليهود من الاستقرار في أورشليم وبعض الكور حولها، بصفتهم رعية لملك الفرس، وتفصيل ذلك وارد في سفري عزرا ونحميا من التوراة.