تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما فتح مسلمو الترك مدينة القسطنطينية كانت دولة الأتراك مثابة لليهود وأمنا؛ فتوغلوا في هذه البلاد، وأقاموا بها على الرحب والسعة بعد أن هجروا إسبانيا وقد تركها المسلمون، واستقر قسم كبير من الإسبانيين اليهود في مقدونيا، وخاصة في سالونيك، تحت لواء الحرية التي أسداها إليهم المسلمون. وقد وصل بهم الأمر إلى أن تربعوا في أرفع المناصب، في بلاط السلاطين، وفي ميدان السياسة وقت أن كانت المذابح تتوالى عليهم من كل جانب في البلاد الأوروبية شرقيها وغربيها. وما زال صدى اضطهاد اليهود في روسيا وغيرها يرن في آذاننا إلى الآن. ولم يرجع اليهود إلى الهجرة في أوروبا الغربية إلا بعد أن ظهر فيها التسامح في العصور الأخيرة، وأعتقهم الأمريكيون والغربيون من القيود التي كانوا يرزحون تحتها. فلم يكونوا ليسمحوا لهم بامتلاك عقارات، أو اشتغال بالزراعة أو الصناعة. وكل هذه المعاملات الاستثنائية كانت عامة في إيطاليا، أو فرنسا، أو ألمانيا، أو إنجلترا، أو أمريكا، تلك حالهم في بلاد الغرب. أما في بلاد العرب والإسلام فقد كانوا في بحبوحة من العيش وحسن المعاملة، وإنه ليأخذكم العجب إذا عرفتم أن اليهود لم يعتقوا في فرنسا إلا في سنة 1790م، وفي إيطاليا إلا سنة 1870م، وفي أمريكا إلا في 1887م. وكانت إنجلترا أبطأ الحكومات في إصدار تشريع بالمساواة بصورة رسمية، فاستمرت تسديهم بعض الحقوق إلى أن كان آخر مظهر من مظاهر الحرية في سنة 1890م.

يحدثنا التاريخ أن اليهود طالما جردوا من أملاكهم في إنجلترا، وفي فرنسا وفي غيرهما، وطالما طردوا، وسيموا العذاب، وطالما لقوا من إسبانيا أيام محاكم التفتيش ألوانا من الاضطهاد، والأذى، والتقتيل. إلى أن أصدرت أمرها في سنة 1492م بطرد الباقي منهم.

فما سبب هذه الكراهة المتأصلة في نفوس الغربيين؟

إن الذي يمكننا أن نستخلصه من أقوال المؤرخين هو أن الغربيين قد منعوا اليهود من امتلاك الأراضي، والاشتغال بالزراعة أو الصناعة لاعتبارهم فئة أقل منهم مرتبة لاختلافهم عنهم في العنصر، والدين، والعادات، والتقاليد؛ قد دفعوا هؤلاء الناس للاحتفاظ بوجودهم، فكان من الضروري أن يقوموا بأعمال تجارية صغيرة. ولما كانت الكنيسة تحرم الربا على النصارى، فقد أصبح اليهودي مرابيا بحكم الضرورة، وظهر بالتجربة أن مهمة إعطاء القرض بفوائد أخف المهن، وأكثرها در خير على صاحبها. وإن استعمال الفوائد قد دفع أصحابها إلى التمادي في سعر الفائدة. فأصبح كثير من اليهود أغنياء، بينما الفلاح والصانع والتاجر الغربي لا ينال قوته إلا بعد الكد والكدح والتعرض للمخاطر.

لهذا وجدت البغضاء بين الفريقين، ولهذا كان الملوك والأمراء، والحكام عندما يشعرون بحاجة للنقود، ويرون أمامها أجانب قد اكتظت خزائنهم بالذهب - كان هؤلاء يبررون مصادرة أموال أولئك الغرباء، ويعتقدون في ذلك الأجر والثواب والخير لأممهم. لم يكن شيء من هذا في بلاد العرب والمسلمين. وكان اليهود في بحبوحة من العيش، نعاملهم معاملة المواطن. لهم ما لنا، وعليهم ما علينا. شيء آخر أثار بغض الغربيين لليهود؛ ذلك أن هؤلاء بعد أن صاروا أغنياء وصاروا بقوة الذهب من ذوي النفوذ، وهم محتفظون بكيانهم الأصلي، ورابطتهم اليهودية، ويعتبرهم الغربيون جسما غريبا عنهم؛ قد سولت لهم أنفسهم أن يتدخلوا في شئون البلاد التي تؤويهم، في توجيهها السياسي، وفق ما يرضون، كما تدخلوا في نظمها الاجتماعية. أحس الغربيون بهذا الخطر فقامت دول تنتقض عليهم، وتنتقم منهم وتطردهم. كما أحس باقي الأمم - ولو كانت ديموقراطية - بكثير من القلق لهذا التدخل الغريب، الذي يؤذي الممالك في كيانها السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، ولا بد أن الزمن سيساعد على إنماء هذا الشعور في العالم ضد اليهود. (1) معنى تصريح بلفور

المسألة اليهودية · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة اليهوديةص ٦٩