ثم قال علوبة باشا: أيها السادة: الحق أني لم أفهم لهذا التصريح معنى محدودا، فهو مكتوب بطريق اللف والدوران، حتى صار مبهما، وأغلق علي الأمر في فهم حقيقته ومرماه، وتعرف ما يكنه في ثناياه. فلم أجد وسيلة سوى الرجوع إلى المراجع الإنجليزية نفسها. في التصريح شيء اسمه تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي، فما معنى هذا؟ وفيه شيء اسمه عدم إضرار بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية فما معنى هذا؟ وشيء اسمه حماية الأماكن المقدسة، والمواقع الدينية، فما معنى هذا؟ ذلك كله مع العلم بأن الانتداب بطبيعته مؤقت، وأن ميثاق عصبة الأمم احترم قاعدة تقرير المصير، وأن الحلفاء أعلنوا أن خير هذه الشعوب التي خرجت من حكم الأتراك وتقدمها أمانة مقدسة في عنق المدنية، فكيف يمكننا أن نفهم كل هذا، وأن نوفق بين النصوص الغامضة في تصريح بلفور، والصريحة فيما أعلنه الحلفاء جميعا؟ الحق أني تعبت، ولم أفهم معنى إنشاء الوطن القومي، وعلى أي نحو يكون؟ إذا صح أن له وجودا مشروعا! هذا؛ ولا يفوتنا أن الدعاية اليهودية قد نشطت بين العرب أيام صدور التصريح، مدعية أن الغرض من إنشاء وطن قومي لليهود لا يعدو أن يكون إنشاء وطن روحي لا سياسي. ورجعت إلى تقرير اللجنة الملكية لفلسطين «تقرير لورد بيل» لسنة 1938م، فإذا هو يفضح الأمر، ويثبت الحقيقة المرة.
فقد جاء في هذا التقرير أن المستر ونستن تشرشل - وزير المستعمرات سنة 1922م - أصدر بيانا في شهر يونية من السنة المذكورة بالسياسة البريطانية في فلسطين، يطمئن الناس على أن لا ضرر من تكوين طائفة لليهود في فلسطين، وأن تنمية الوطن القومي فيها لا تعني فرض الجنسية اليهودية على أراضي فلسطين إجمالا، بل زيادة نمو الطائفة اليهودية بمساعدة اليهود الموجودين في أنحاء العالم؛ حتى تصبح فلسطين مركزا يكون فيه الشعب اليهودي.
أيها السادة: كان من نتائج تلك الثورات المتوالية أن أرسلت إنجلترا لجانا في أثر كل ثورة. قدمت تقاريرها، تؤيد فيها ما للغرب من حقوق، وتتكهن بمآل استمرار الهجرة، وتؤكد ضيق أراضيها على أهليها، إلى أن قدمت اللجنة الملكية برياسة اللورد بيل تقريرها سنة 1937م بإثبات الوقائع التي ذكرناها عنها، وقررت فيما قررت أن الشعبين العربي واليهودي لا يمكنهما أن يعيشا معا بسلام وتعاون، على الوضع الحاضر، وأن بينهما عداء عنصريا، وشكا متبادلا، وظهر لنا استحالة التوفيق في التنفيذ بين التعهدات التي أعطيت للعرب باستقلالهم، وبين تصريح بلفور. وكنا نأمل من جانب اللجنة الملكية بعد أن ثبت لها ما رأته وقررته أن تنصح بالرجوع إلى قواعد العدل، وتقرير المصير، وتطلب إلغاء تصريح بلفور. لكنها لم تفعل، وأرادت تنفيذ العهدين المتناقضين، عهد قائم على الحق والعدل، وآخر قائم على الظلم ومنافاة القاعدة التي أقرها الحلفاء وأعلنوها، وهي أن رفاهية هذا الشعب، وتقدمه، وحقوقه أمانة في عنق المدنية.
نصحت هذه اللجنة بتقسيم فلسطين إلى دويلتين، مع إعطاء إنجلترا بصفة دائمة جزءا من فلسطين، واقترحت تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
أولا:
دولة لليهود، تلك التي تشمل أفضل الأراضي وأخصبها، مع السواحل والإقليم الزراعي الكبير في الشمال.
ثانيا:
دولة للعرب، وهي القسم الجبلي الذي لا خير فيه ولا ثمرة.
ثالثا:
قسم آخر يبقى تحت سيطرة بريطانيا مباشرة.
وخلقت اللجنة بهذا التقسيم صورة تذكرنا بإقليمي السار، وميمل، وممر دانزج.
أيها السادة: وكانت نتيجة هذا التقسيم أن لا بد من تبادل السكان بين الدويلتين، فهب العرب وثاروا؛ لأنهم رأوا أن دولة اليهود قد أخذت أخصب البلاد، وأن المنطقة المخصصة لهم بلغت مساحتها نحو ثمانية ملايين دونم، منها أربعة ملايين ونصف أرض زراعية، ملك اليهود منها نحو مليون وربع دونم، وإن ما يملكه العرب من بساتين البرتقال، في تلك المنطقة المحددة لليهود هو نحو سبعة أثمان جميع ما يملكه العرب، من أراضي البرتقال في فلسطين.