أيها السادة: إن بحث هذا الموضوع يتطلب أن أرجع بكم إلى تاريخ احتلال اليهود فلسطين بعبارة موجزة، ثم أعرض لكم التطورات التي قامت، وكيف وجد اليهود الآن في فلسطين؛ حتى تستبينوا الحق من الوقائع، وتقدروا مبلغ الكارثة التي وقعت على فلسطين.
كانت فلسطين وطنا لأمم من غير اليهود، وحوالي سنة 1100 قبل الميلاد احتل الإسرائيليون أغلب البقاع الجبلية فيها، ثم اتحدوا بعد شقاق وقع بينهم، تحت لواء الملك داود، وهزموا الفلسطينيين، ثم قام الملك سليمان وانتهى عهده حوالي سنة 930 قبل الميلاد، وبموت الملك سليمان، الذي بنى الهيكل، تطرق الضعف إلى هذه المملكة، وانقسمت قسمين: مملكة إسرائيل، ومملكة يهوذا.
اندمجت أولاهما في إمبراطورية آشور، فيما بين سنة 721 وسنة 715 قبل الميلاد. وبقيت الثانية وهي مملكة يهوذا، تحت سيادة هذه الإمبراطورية. وفي سنة 588 قبل الميلاد قام بختنصر - ملك الإمبراطورية البابلية التي حلت محل الإمبراطورية الآشورية - وضم مملكة يهوذا إلى ملكه، ونهب مدينة القدس، ودمرها كما دمر الهيكل تدميرا تاما، ونفى اليهود إلى جهة الفرات في منطقة بابل. وفي سنة 536 قبل الميلاد بعد أن احتل قورش - مؤسس الإمبراطورية الفارسية - بابل، سمح لليهود بالرجوع إلى فلسطين، فرجع إليها بعضهم، وأخذوا في إعادة الهيكل بتصريح من هذا الإمبراطور، وبعد ذلك بقرنين أو أكثر خضع اليهود لحكم البطالسة، خلفاء إسكندر الأكبر. وفي سنة 63 قبل الميلاد اكتسح الرومان القدس، ولم تقم لدولة اليهود بعد ذلك قائمة إلى الآن.
ومن هذا البيان ظهر أن اليهود قد اغتصبوا فسطين من أهليها الأصليين، ولم تكن لهم دولة مستقلة ذات سيادة إلا في حكم الملك داود، وخلفه الملك سليمان من سنة 1100 قبل الميلاد إلى سنة 930 قبل الميلاد؛ أي 170 سنة كما أسلفنا. ثم استمروا خاضعين لدول أجنبية، يطردون ويرجعون إلى أن كانت سنة 63 قبل الميلاد، وهي التي انتهى فيها كل أثر لدولة اليهود، سواء كانت مستقلة استقلالا تاما، أو خاضعة لإمبراطوريات مختلفة، استمر الرومان يحكمون، وبقي هيكل اليهود الثاني تحت رحمة الدولة الرومانية إلى سنة 70 بعد الميلاد. وفيها دمر الإمبراطور «تيطوس» أورشليم، وأحرق الهيكل، بعد ثورة شبت من اليهود، وفي سنة 135 ميلادية جاء إمبراطور الرومان «أدريانوس» وأقام مكان الهيكل اليهودي هيكلا وثنيا، باسم آلهة المشتري «جوبيتير»، وبقي إلى أن قامت المسيحية في القدس. فدمر النصارى هذا الهيكل الوثني من أساسه، في عهد الإمبراطور قسطنطين، ووالدته هيلانة.
ظلت فلسطين خاضعة للرومان إلى أن فتحها العرب، ودخل عمر بن الخطاب مدينة القدس فاتحا، وسلمها إليه البطريرك في سنة 637 ميلادية. بعد أن أخذ عليه عهدا بعدم السماح لليهود بدخول فلسطين. واستمر العرب فيها إلى الآن، ونحن في سنة 1938 ميلادية، وعلى هذا لم تقم لليهود في فلسطين دولة، ولو صورية من سنة 63 قبل الميلاد إلى الآن؛ أي أكثر من ألفي سنة. ويكون العرب قد أقاموا فيها إلى الآن أكثر من 1300 سنة كافحوا فيها ما كافحوا ضد كل مغير، ومن يوم فتح فلسطين؛ أي من سنة 637 ميلادية، صارت أرضها موطنا لهم. عاش فيها آباؤهم وأجدادهم أكثر من ثلاثة عشر قرنا، ودفنوا في تربتها موتاهم، وأقاموا فيها مساجدهم، ومعابدهم. وصارت اللغة العربية لغة البلاد وحدها. ولم يبق للتاريخ اليهودي في فلسطين في تلك البقاع أي أثر.
قلنا: إن الرومان دمروا أورشليم سنة 135 ميلادية للمرة الأخيرة، فلما حلت هذه الكارثة خرج اليهود مهاجرين إلى العراق، ومصر، وسوريا، واليمن، مترسمين في هجرتهم آثار الفتح العربي في شواطئ أفريقيا الشمالية، إلى أن وصلوا إلى الأندلس تحت حماية العرب، وفي ظل الحرية التي أسداها إليهم العرب، واصطلحوا على استعمال اللغة العربية لغة لهم، واتخذوا لأنفسهم أسماء عربية، واتبعوا التقاليد والعوائد العربية.