تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعندما اختار زعماء الصهيونية إنجلترا ميدانا لنشاطهم، كان يدفعهم إلى ذلك الاختيار نجاح إنجلترا المدهش في سياستها الاستعمارية، وسمعتها الحسنة كدولة حرة، وكرمها مع اليهود.

واختاروا من الروس مسيو تشلينو من موسكو ومسيو ناحوم سوكولوف من فرصوفيا. وقد انضم إليهما في إنجلترا ثالث هو الدكتور حاييم وايزمان الذي لم يكن إنجليزي المولد، بل هو بولوني من جرودنو جاء إلى إنجلترا في سن الأربعين بعد أن عاش فترة من الزمن في سويسرا، وفيها عرف تروتسكي، وفي إنجلترا عمل كمحاضر للكيمياء في جامعة مانشستر، واكتسب الجنسية البريطانية، ثم بزغت شخصيته كخطيب، حتى إن مستر هورس صامويل كتب عنه يقول: إنه كان يخاطب كتيبة من الشبان اليهود المتطوعين في الجيش البريطاني في خلال سني الحرب الماضية، وكان المستمعون كلهم في قبضة يده، وعلى استعداد في أية لحظة للقفز إلى جيبه.

وقد شوهد خلال إحدى مآدب العشاء التي أقيمت في منزل اللادي آستور يجذب اللورد بلفور من يده ويجلسان وحدهما على إحدى الأرائك فترة تزيد على الساعة دون أن يشعر الرجلان بمن حولهما. ولقد كانت مثل هذه الساعات والجلسات هي التي أدت إلى وضع حجر أساسي للصهيونية السياسية في إنجلترا. إن الرجلين قد تعارفا قبل ذلك بإحدى عشرة سنة عندما تقدم بلفور «وكان يعرف باسم مستر بلفور» إلى الانتخابات عن دائرة مانشستر - مركز اليهود في الجزر البريطانية - وكان مدير حملته الانتخابية يهوديا يدعى مستر دريفوس، فانتهز الفرصة وسأله أن يدعو إليه من يستطيع إخباره بالأسباب التي حدت بالصهيون إلى رفض العرض البريطاني سنة 1903م بإسكان اليهود المهاجرين في شرق أفريقيا، وهو العرض الذي اقترح وقت أن كان بلفور رئيسا للوزارة البريطانية، فبعث دريفوس إليه بوايزمان.

وفي كتاب مسز داجديل - ابنة أخت اللورد بلفور - عن تاريخ حياته، وصفت المؤلفة هذه المقابلة فقالت: إن الانسجام التام بدأ يظهر منذ اللحظة الأولى، بين الرجلين المختلفي المزاج والظروف الاختلاف كله، ولم يكن الدكتور وايزمان قد ملك ناصية الإنجليزية السلسة الفياضة، ولكنه مع ذلك كسب السياسي الإنجليزي بفضل سرعة خاطره وقوة بديهته. ويتحدث وايزمان عن نفسه قائلا: بدأ العرق يتصبب على جبيني وكأنه قطرات الدم وأنا أحاول إيضاح ما أعنيه بإنجليزيتي العرجاء. وفي النهاية بذلت جهدا أخيرا وقلت: «يا مستر بلفور، لو عرضت عليك باريس بدلا من لندن أتقبلها؟! أتقبل باريس بدلا من لندن؟!» ... فحدق في مدهوشا ثم قال: «ولكن لندن بلدي.» فسارعت إلى القول: «إن بيت المقدس كانت بلدنا عندما كانت لندن مستنقعا.» وكان جوابه: «هذا صحيح.» وكتبت مسز داجديل عن نتيجة هذه المقابلة التي قالت: إن بلفور حدثها عنها بنفسه بعد سنوات فقال: «لقد أدركت من محادثتي هذه مع وايزمان أن الوطنية اليهودية فريدة في نوعها.»

أما المقابلة الثانية بين السياسي الإنجليزي والداهية الصهيوني فقد حدثت بعدئذ بثماني سنوات في شهر ديسمبر من سنة 1914م وبعد أن مرت على بدء الحرب أربعة شهور كاملة، وفي هذه السنين الثماني كان وايزمان قد اشتهر في مانشستر، وعرف مستر س. ب. سكوت - رئيس تحرير جريدة مانشستر جارديان - الذي ما لبث أن تعلق بالقضية الصهيونية حتى خصص أعمدة جريدته للدعاية لها والدفاع عنها.

وفي كتاب مسز داجديل عن حياة لورد بلفور، تتحدث عن مقابلة وايزمان لبلفور الثانية فتقول: إن وايزمان «وجد حديثه الأول مع بلفور منذ ثماني سنوات ما زال ماثلا في ذهن بلفور، فواصلاه في عبارات عامة لا تحديد فيها. ولكن قبل أن يفترقا تساءل بلفور هل كان يستطيع معاونة وايزمان في شيء ما، فقال هذا وهو يبتعد: «ليس والمدافع تزأر.» ثم قال: «عندما يتضح الموقف الحربي سآتي مرة أخرى.» فقال بلفور: «لا تنس أن تعود ... إنها لقضية عظيمة تلك التي تعمل من أجلها، وأود منك أن تعود مرة بعد أخرى».»

المسألة اليهودية · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة اليهوديةص ٦١