وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر، تجددت عناية فئتين دينيتين يهوديتين بأمر مدن فلسطين لا بزراعتها، فقد عمد أحد الحكماء اليهود في فلنا وأكبر رئيس ديني لليهود يومئذ إلى إنشاء نوع من
Pence
صهيون للإنفاق على المدارس في المدن المقدسة. كذلك تجمعت ثانية فئة من الأتقياء حول بحر الجليل، عاملين على مضاعفة المعابد، وجمعت الاكتتابات في المعابد اليهودية في أوروبا لإنشاء «مال الهلوكة» لمساعدة الطلبة على الإقامة في أربعة مدن فلسطينية. وكان هؤلاء، إلى صلاتهم وتعلمهم، يصنعون أشياء صغيرة، على أنهم كانوا فقراء جدا، يستندون أكف يهود أوروبا لمعونتهم، ويحرصون على اللغة العبرية. وكان الرحالة الأوروبيون المسيحيون الذين زاروا فلسطين يومئذ، يقولون: إن الله أراد أن يعاقب أبناء إسرائيل الحاليين بما جناه الأولون منهم.
وكانت الثورة الفرنسية وما تقدمها وما تلاها من المناداة بمبادئ الحرية والمساواة، نعمة على يهود أوروبا وبركة، فقد أتاحت لهم أن ينتفعوا بمواهبهم بعد أن لبثوا قرونا وهم في حكم المساجين داخل أحيائهم القذرة ومعابدهم الواهية.
ولم تكن وجهتهم حينئذ التفكير في إنشاء وطن أو دولة، بل كانوا يجاهدون في سبيل التحرير السياسي بأن يكون لهم ما لسائر السكان من الحقوق السياسية، وكانوا إلى هذا يفكرون في استصلاح مراكزهم الدينية في فلسطين بعد أن غمرتها الفوضى واشتدت بيهودها الضنك والذل. ثم امتدت هذه الحركة إلى دعوة اليهود بأن يعودوا إلى فلسطين وأن يستخلصوها.
وقد عمد نابليون بونابرت حين أراد غزو مصر والشرق في سنة 1799م إلى دعوة يهود أفريقيا وآسيا إلى استعادة وطن قومي لهم تحت حمايته في القدس. غير أن هذا الغرض لم يتحقق؛ لأن الجيش الفرنسي حمل على الجلاء بعد ثلاث سنوات، وزال حلم إقامة إمبراطورية فرنسية في الشرق.
وقد تبع هذا غزو محمد علي باشا الكبير للبلاد الفلسطينية والسورية بقيادة ابنه إبراهيم باشا الذي لبث واليا عليها سبع سنين، ثم كان من أثر تدخل الدول الأوروبية الكبرى، أن انجلت جنود محمد علي وإبراهيم عن فلسطين وسوريا ولم يوفقا في إنشاء إمبراطورية عربية.
كان هرزل ينادي بأن يكون الإسرائيليون أمة واحدة ذات وطن في فلسطين، وطن يمنح رسميا وتضمنه الدول. وتألف المؤتمر اليهودي من الجماهير اليهودية دون الكبراء، وجعل الحركة مشابهة لأعمدة الشمع السبعة في المعبد. وقابل السلطان العثماني عبد الحميد الثاني والباب العالي في استنبول، ملتمسا منح امتياز بهذا الوطن، ولكن السلطان رفض هذا الطلب. وزار هرزل فلسطين مرة واحدة؛ وذلك لكي يقابل الإمبراطور الألماني الذي كان يزور السلطنة العثمانية التركية يومئذ.
تجاوب الصدى لنداء هرزل، في أحياء اليهود في المدن الأوروبية، ونهض لمؤازرته كتابهم كإسرائيل زانجويل الكاتب الإنجليزي اليهودي، واستجاب للدعوة اللورد روتشيلد الأول - كبير الماليين اليهود الإنجليز - وجوزيف تشمبرلين - وزير المستعمرات - الذي أذن بتفقد الجزء الشمالي من شبه جزيرة سينا حول العريش داخل الحدود المصرية لكي تكون وطنا صغيرا، غير أن عدم وجود الماء حال دون المضي في هذه الفكرة، وعلى أثر هذا عرضت عليهم قطعة من الأرض في أفريقيا الشرقية البريطانية لتكون لليهود مستعمرة مستقرة مستقلة، غير أن صهيونيي روسيا تمسكوا بأن يكون الوطن اليهودي في فلسطين دون سواها. وفي سنة 1904م مات هرزل متألما من هذا الانقسام، ومخاطبا ذلك المؤتمر بأن المسألة ليست حلما بل حقيقة.
وقد استمرت زيادة السكان اليهود ونمو التجارة في فلسطين منذ سنة 1904 إلى سنة 1914م حين أعلنت الحرب العالمية الأولى. وحسبنا أن نذكر أن يهود القدس كانوا يؤلفون أغلبية سكانها البالغ عددهم 30 ألفا في سنة 1911م، وزادت قيمة صادرات يافا من 250 ألف جنيه إنجليزي في سنة 1900 إلى 700 ألف في سنة 1911م، والواردات من 380 ألفا إلى مليون جنيه، والقضايا من 50 ألفا في سنة 1883م إلى مليونين في سنة 1923م، وكان 12 ألف يهودي يشتغلون في الزراعة وآخرون من يهود بخارى في الحرير، ومن اشتراكيي روسيا أنصار تولستوي كانوا يعملون بأيديهم وفنهم.