تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محاولة لصياغة الصهيونية

ذكرنا قبلا أنه كان يسكن شاطئ أرض كنعان قوم يطلق عليهم اسم الفلسطينيين حين دخل أبناء إسرائيل بعد رحيلهم عن مصر، وعرفت عند اليهود منذ يومئذ باسم أرض إسرائيل. وقد وصفت بأنها أصغر الأقطار غير أنها كانت مجتمع الحضارة، والجسر الطبيعي بين نهر النيل والفرات، وبين أفريقيا والعالم الآسيوي الأوروبي.

ومنذ الحرب العالمية الأولى في سنة 1914م، قسمت فلسطين إداريا قسمين: القسم الأول الذي يقع غربي نهر الأردن، وهو الذي يسعى اليهود لكي يقيموا فيه وطنهم القومي. أما القسم الثاني الواقع على الجانب الآخر من الأردن، ويدعى الآن «إمارة شرق الأردن»، فكان يقيم به من الإسرائيليين قبيلتان إسرائيليتان ونصف القبيلة، وأرض هذا القسم صحراوية - وللرعي غالبا - وسكانه 400 ألف.

وفلسطين الحالية تشبه إقليم ويلز في إنجلترا، فمساحة كل منهما 10 آلاف ميل مربع، كما أن كلا منهما يتألف من ساحل وجبل. أما سكان فلسطين هذه فهم مليون ونصف المليون مع الزيادة المطردة عاما بعد عام. أما الجزء الخصب فهو يقع في السهل الساحلي ووادي أسدراليون من البحر إلى حيفا إلى الأردن، ووادي الأردن وسواحل بحيرة الجليل. وليس في الجبل ولا في الجزء الجنوبي المتاخم لشبه جزيرة سينا ما يصلح للزراعة.

قامت فلسطين بمهمة سامية منذ 4000 سنة؛ إذ كانت حلقة الاتصال بين حضارة إيجه والبحر المتوسط وبين حضارة الشرق، فإن فلسطين القديمة كانت معدودة جزءا من بلاد العرب كما كانت في الوقت ذاته جزءا من الشرق الأدنى

Levant .

أما ساحلها فقد كان منذ التاريخ البعيد مقسما بين الفلسطينيين الذين يبدو أنهم قدموا من الشمال أو أوروبا وبين الفينيقيين الذين قدموا من آسيا. وكان لها ثلاث ثغور هي غزة ويافا وآكر، التي كانت آخر ما وطئته أقدام الصليبيين. أما أورشليم «القدس الآن»، فإنها كانت - لجثومها على التلال اليهودية - بعيدة دائما عن طرق الجيوش والتجارة. أما الآن فقد أصبحت حيفا ثغرا لها؛ إذ تقع جنوبي خليج آكر. هذا؛ وإلى جوار يافا العربية، تقع المدينة العصرية ذات الطابع الأوروبي مدينة «تل أبيب»، وهي أحدث وأكبر مدينة فلسطينية، وهناك ميناء العقبة على البحر الأحمر متصلة بالشرق كما كانت على عهد الملك سليمان وفي القرون الوسطى.

ومنذ ألفي سنة حرم اليهود من دولة تحمل اسمهم وطابعهم لا في فلسطين ولا في سواها، غير أنهم لبثوا طوال هذه السنين يمنون النفس بالعودة إلى فلسطين كما يبدو هذا في صلواتهم وطقوسهم وأشعارهم. وكان بين الفينة والفينة يقوم من يدعي أنه المسيح المنقذ زاعما أنه سيقودهم إلى هذه الأرض.

وقد حدثت محاولات طفيفة أو مبهمة قصد منها إلى إحياء نوع من أنواع الحكم اليهودي، غير أن هذه الحركات لم تبلغ مداها إما لضعف القائمين بها أو قوة المناوئين لها، ولبث اليهود منتشرين في بلاد العالم، وكان يخصص لهم حيث يكثر عددهم ويقوى رابطتهم حي يسكنونه.

ولما استولى السلطان صلاح الدين الأيوبي على «فلسطين» سمح لبعض اليهود بالعودة لسكناها فقط دون إنشاء وطن أو دولة، فأقام بها من القرن الخامس عشر جماعات من المهاجرين اليهود المطرودين من إسبانيا وسكنوا في مدن القدس وحبرون وتيبريات وصفد في الجليل، وقد أنشئ بها مدارس. بل إنه في القرن السادس عشر استطاع «يوسف نازي» - من أكبر الأسر اليهودية في إسبانيا ومن الدبلوماسيين المقربين من الباب العالي التركي - ودوق ناكسوس، أن يزرعا قطعا من الأرض «الجليل». وكان على رأس السلطنة التركية يومئذ السلطان سليمان الملقب «بالقانوني» الذي أعاد بناء قلعة القدس وأسوارها وجدد هيكلها «حرمها».

غير أنه كان من أثر تدهور بلاد السلطنة العثمانية أن شمل الضعف فلسطين، فقل عدد يهودها وأصبحوا بضعة آلاف.

المسألة اليهودية · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة اليهوديةص ٥٨