وهنا كتب اللورد بالمارستون إلى السفير البريطاني في استانبول، التي كانت مقر السلطنة التركية صاحبة السيادة على فلسطين يومئذ، يقول: إنه قد اتجه التفكير القوي بين يهود أوروبا المشتتين بأن الوقت قد حان لكي تعود الأمة اليهودية إلى فلسطين.
وكان بالمارستون يذهب مع الكثيرين إلى أن اليهود جميعا أغنياء. غير أن اليهود الإنجليز البارزين كانوا منصرفين يومئذ إلى التحرير المدني السياسي الذي كان يشغل بال الإنجليز في بلاد عرفت بالمحافظة وبالتدرج البطيء في الانتقال من طور إلى طور جديد.
ثم إنه قد ظهر بين يهود إنجلترا السير موسى مونتيفيور، الذي كان أول يهودي شغل منصب
Sheriff
لمدينة لندن، فزار الأراضي المقدسة في 1827م، وبعد عشر سنوات زارها للمرة الثانية، وفاوض إبراهيم باشا الذي كان واليا عليها في أن يأذن في أن يتاح لليهود أن يقيموا هناك. وقد كان عددهم في القدس أقل من خمسة آلاف. وكان مجموع سكانها 13 ألفا. أما في سائر فلسطين فقد كان عدد اليهود عشرة آلاف حين كان عدد العرب مائة ألف، وفي أواخر القرن التاسع عشر بلغ عدد العرب في الجزء الجنوبي 200 ألف.
على أن حملة إبراهيم باشا قد فتحت عيون العرب واليهود على مجدهم السابق، كما أعادت اهتمام الأوروبيين بالأراضي المقدسة بعد أن أهملوها منذ الحروب الصليبية.
بنيامين دزرائيلي
وقد حدث أن بنيامين دزرائيلي «اللورد بيكونسفيلد» - رئيس الوزارة البريطانية الأسبق - الذي كان من أصل يهودي، ودان للمسيحية، قد زار في منتصف القرن التاسع عشر فلسطين، وأمضى بها بضعة أسابيع في خلال رحلته الدراسية العامة لأوروبا والشرق الأدنى. وقد كان من أثر تأملاته في الأرض المقدسة أن ألف ثلاث قصص، وهي: «كونتاريني فليمينج» و«الروي» و«تانكرد». كذلك كان الرحالة المسيحيون الأوروبيون منذ القرن التاسع يرون أن فلسطين أرض موحشة، وأن القدس ذاتها - مع وفرة قصادها بأماكنها المقدسة - مدينة الأطلال.
وقد وصفها «كينجزليك» - الكاتب الإنجليزي - حين كان إبراهيم باشا واليا عليها بعد أن قطع دابر اللصوص، فقال: إن نهر الأردن هو الحد الفاصل بين الذين يسكنون تحت السقوف وبين عرب الخيام الجائلين.
وفي 1840م حين اتحدت إنجلترا وروسيا وبروسيا ضد إبراهيم باشا مطالبة إياه بالجلاء عن سوريا وفلسطين، حاول بعضهم إثارة مسألة حماية الأماكن المقدسة كجزء من المسألة الشرقية، غير أن روسيا عارضت في هذا، كما أن الاتحاد لم يتفق على الاقتراح؛ فعادت فلسطين إلى الحكم التركي بما كان عليه من الفوضى والمظالم.
وفي 1838م أنشأت إنجلترا قنصلية في القدس. وكان بين أغراض إنشائها حماية يهود أوروبا، واتفقت إنجلترا مع روسيا على إنشاء كنيسة في القدس، وكان اللذان شغلا منصبي القنصل والديانة مسيحيين يعرفان العبرية، وكان يراد من ذلك العمل على تنصير اليهود. ومن أجل هذا أوفدت كنيسة البريسبيتيريان في اسكتلندا بعثة في 1839م كان بين أعضائها بونارلو الذي كان أحد أجداد مستر بونارلو الوزير البريطاني المشهور. هذا؛ وعلى جدران الكنيسة الإنجليزية الأولى في القدس لا يزال مدونا الأوامر العشرة لمذهب ميمون.
ومما ذكره القنصل الإنجليزي عن يهود فلسطين يومئذ أن قيمة اليهودي لا تزيد على قيمة الكلب، وعلى هذا كان شيئا جديدا أن يطلب له العدالة. وكان بين اليهود 500 شحات تدفع لهم الجالية أسبوعيا 200 بارة. ثم إن القنصل بعد هذا نوه بما لحماية الإنجليز لليهود من الأثر في أصغر قرية أوروبية يسكنها اليهود، وأصبحت اللغة العبرية اللغة الشائعة التي يتخاطب بها يهود أوروبا والشرق، ومن أجل هذا عين القنصل مترجما للعبرية.
ثم إن حرب القرم أثارت عناية أوروبا بالأرض المقدسة، فقد أخذت ممالكها تتسابق إلى بناء المدن المقدسة والأديرة خارج المدن، وأخذت الأراضي تستصلح. وقد وضع القنصل الإنجليزي «جيمس فين» خطة لاستخدام اليهود في الزراعة، ولكنه أخفق في سعيه هذا.