وكان عدد ملوك إسرائيل 19 ومدتهم 250 سنة، وفي سنة 721ق.م حاصر شلمناصر - ملك آشور - «السامرة» وأسر الأسباط العشرة، وتلاشى أمرهم. وبقيت مملكة يهوذا وعدد ملوكها 19 من ذرية داود. وقد حدث أن ملكهم بهوياقيم أذعن لملك مصر ودفع الجزية، وأن زحف نبوخذ نصر «أو بختنصر» - ملك بابل - إلى أورشليم في سنة 606ق.م، وسبى جانبا من الإسرائيليين، وهذا هو السبي الأول. وبعد 80 سنة زحف في عهد الملك اليهودي يهواكين بن يهوياقيم وأسره مع بعض الإسرائيليين. فأقام المجلس مكانه ابنه هيرودس الكبير، الذي يقال: إنه قد أمر بقتل الأطفال في بيت لحم لكي يميت الطفل «عيسى» الذي أصبح عنوانا للديانة المسيحية.
الاشتراكية والوطن القومي
بعد أن نادى أحد أنصار كارل ماركس، «موسى هيس»، بأن المسألة اليهودية سوف تحل حين يتحقق البرنامج الاشتراكي، الذي يكفل الحرية للإنسانية كلها، عاد بعدئذ فذهب في 1862م في كتابه «روما وبيت المقدس» إلى أن الاشتراكية وحدها لن تضع حدا للمركز الضعيف الذي يشغله شعب لا وطن له، وأنه ينبغي الاعتراف لليهود بالقومية في أرض أجدادهم، تلك القومية التي اعترف بها للإيطاليين واليونان، خاصة بعد فتح قناة السويس.
جاء بعد هذا ربابنة وحاخامات أوروبا الشرقية، فحملوا الاتحاد الإسرائيلي العام الذي كان يسعى لتنوير أذهان اليهود على أن ينشئ مدرسة زراعية باسم «مجتمع إسرائيل» في فلسطين لإعداد الشبان اليهود للتحرير، وقد منحهم سلطان آل عثمان في 1870م قطعة من الأرض لهذا الغرض بجوار يافا. وفي الوقت ذاته أنشأت الهيئات الدينية الأمريكية في 1866م الكلية الأمريكية البروتستانتية، والهيئات الدينية الفرنسية في 1870م جامعة سان جوزيف الكاثوليكية، وذلك لتشجيع الحركة الوطنية العربية التي سارت إلى جنب الحركة اليهودية.
كان توافد اليهود المضطهدين المهاجرين من روسيا ورومانيا على فلسطين قليلا ومتقطعا. وقد هبطوا سهول شارون وتلال ساماريا والخليل. وقد أطلق على قراهم العديدة اسم باب الأمل والخطوة الأولى لصهيون والحجر الركني.
وقبل نشوب الحرب العالمية الأولى في 1914م، بلغ عدد القرى اليهودية، وكأنها الواحات المبعثرة في الصحراء الفلسطينية، 42 قرية. وكان البارون إدموند يمولها بالملايين من الجنيهات. هذا؛ وقد تألفت في أوروبا الشرقية، ثم الغربية، جمعيات محبي صهيون لإسكان يهود روسيا في فلسطين.
اهتمام الإنجليز بالتوراة في فلسطين
في 1890م طلب زعماء اليهود الإنجليز إلى الحكومة البريطانية أن يؤذن لليهود في الرجوع إلى الأرض المقدسة، وذلك حين برزت أهمية المصالح البريطانية في فلسطين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، منذ فتح قناة السويس والاحتلال البريطاني لمصر في 1882م؛ مما جعل لفلسطين مركزا عسكريا مهما. هذا إلى عناية البريطانيين بدراسة التوراة، والتنقيب عن آثار ماندا من الجهات التي وردت فيها، وقد فكرت إحدى الشركات البريطانية في مد خط حديدي بين آكر ودمشق. غير أن المشروع لم يكتب له التوفيق؛ إذ إن الحكومة التركية أعدت مشروعا أكبر لربط الحجاز حديديا بسوريا.
ثم تجدد الاهتمام بأمر عودة اليهود إلى فلسطين منذ أن تألفت في أوائل القرن التاسع عشر، جمعية إنجليزية مهمتها دراسة أرض التوراة، مما كان من أثره إعداد سلسلة من الكتب بدأت بشعر «دين ميلمان» عن سقوط «القدس» وتاريخ اليهود، وقد أصبح اليهود منذ يومئذ وكأن إنجلترا المتعطشة لقراء التوراة قد احتضنتهم أو حمتهم على مثال ما كان من ادعاء روسيا القيصرية يومئذ حماية المنتسبين إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وفرنسا حيال اللاتين، وبروسيا حيال البروتستانت. كذلك كانت البعثات التبشيرية في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا تتسابق في إنشاء المدارس لأبناء لبنان وسوريا، وتضاعفت العناية بجعل التوراة غربية الطابع بعد أن كانت شرقيته. وقد ذهب اللورد شافتسبري «1801-1885م» من أقارب لورد بالمارستون - وزير الخارجية البريطانية يومئذ - إلى أن عودة بني إسرائيل إلى فلسطين ستكون قوة للسياسة البريطانية. وكان مما استند إليه اللورد شافتسبري في دعوته هذه، أنه سيتاح لأراضي فلسطين التي فشت فيها الفوضى والفقر وقل سكانها؛ الفوز بأموال اليهود، فتستصلح تربتها من غير أن يحمل أحد العبء عنهم، خاصة أن اليهود لا يحفلون بالشئون السياسية.