وقد ولد لإسحاق: عيسو ويعقوب، الذي رزقه الله 12 ولدا، وهم: راوبين، وشمعون، ولاوي، ودان، ويهوذا، ونفتالي، وجاد، وأشير، وبساخر، وزبلون، ويوسف، وبنيامين. ومن هؤلاء تسلسلت أسباط بني إسرائيل الاثنا عشر. أما يوسف - صاحب القصة المعروفة - فقد باعه إخوته للإسماعيليين، الذين أخذوه إلى مصر وباعوه عبدا في سنة 1729ق.م. وبعد أن عاش 14 سنة عبدا أسيرا، تقدم في باب الفرعون تحوتميس الثالث أحد ملوك الأسرة الثامنة عشرة. وكان من أثر تقدمه هذا، أنه استطاع أن يقي أباه وإخوته خطر الموت جوعا. وفي سنة 1706ق.م ذهب أبوه مع أولاده إلى مصر، وأقاموا فيها مع يوسف، وتكاثروا حتى أصبحوا أمة. أما يعقوب فقد مات في سنة 1689ق.م. وأما يوسف فقد مات في سنة 1635ق.م. وبعد وفاة الفرعون المشار إليه، خلفه آخرون تنكروا للإسرائيليين وعدوهم عبيدا، بل إن أحد الفراعنة قد أمر بأن كل ولد ذكر يولد لهم، يلقى حالا في النيل، لكي ينتهي مصيرهم إلى الفناء التام، خشية كثرتهم ونفوذهم.
وعندنا أن هذا هو عهد الاضطهاد الأول لليهود، ذلك الاضطهاد الذي اتخذ منذ يومئذ وفي فترات مختلفة من التاريخ صورا عديدة، لا تزال آثارها باقية إلى اليوم.
حدث بعد هذا أن ولد «موسى»، وأن ألقته أمه في تابوت، بين شجر الحلفاء على حافة النيل، وأن ابنة فرعون رأت التابوت هناك، وأخرجت منه الطفل «موسى» وأن أحضرت له مرضعا، اتفق أنها كانت والدة موسى، الذي تعلم في بيت فرعون علوم المصريين، ثم أوحى الله إلى موسى وأخيه هارون بأن يطلبا من فرعون إطلاق الإسرائيليين من الأسر، وعندنا أن هذا هو عهد الأسر الأول كما كان عهد الاضطهاد الأول لليهود. وقد أبدى موسى من معجزات النبوة أمام فرعون ما جعل هذا يستجيب إلى النداء، فيطلق للإسرائيليين حريتهم، بعد أن أقاموا في مصر 215 سنة، فخرجوا في عدد غير معروف قدره بعض المؤرخين
2
بمليونين ونصف المليون، وهو رقم يبدو كبيرا، وكان خروجهم في عهد الفرعون منفطا من الأسرة التاسعة عشرة، وكان عمر موسى يومئذ 80 سنة، ويقول موسى وبولس بأن مدة إقامة اليهود في مصر بلغت 430 سنة، وهي تشمل 25 سنة منذ وصل إبراهيم إلى بلاد كنعان إلى ولادة ابنه إسحاق، و60 سنة منذ ولادة إسحاق إلى ولادة يعقوب، و130 سنة منذ ولادة يعقوب إلى نزوله في مصر، و215 مدة إقامتهم في مصر. وثمة روايات أخرى عن مدة إقامة اليهود في مصر.
ولما أوحى الله إلى موسى بالخروج ببني إسرائيل، كان المراد من ذلك أن يذهبوا إلى أرض كنعان، التي وعد الله إبراهيم أن يجعلها ملكا لهم، لكن اليهود قد أغضبوا ربهم؛ إذ عادوا إلى عبادة الأصنام، فأهلك الله أكثرهم. ومنهم من ضل في صحراء سينا 40 سنة.
وقد مات موسى في سينا ولم يعرف قبره إلى الآن، ولم يدخل كنعان إلا يوشع بن نون وكالب بن يفنه من هؤلاء. ولكن دخلها أولادهم وأولاد أولادهم. وبعد موسى قاد يوشع بن نون الإسرائيليين إلى أرض الميعاد «فلسطين» التي قسمها على أسباط الإسرائليين الاثني عشر، وبعد موت يوشع ارتدوا إلى عبادة الأصنام، وقام بينهم قواد وزعماء عرفوا باسم «القضاة» يحكمون الشعب إلى أن قام الملك شاول الأول بعد أن بلغ عددهم 14 في مدة 310 سنين.
وكان بين هؤلاء القضاة شجعان، ظهر بينهم القاضي جدعون، وشمشون الجبار، الذي قيل: إن شعر رأسه كان يعطيه قوة تضاهي قوة مائة رجل، وأنه شق أسدا قسمين، وقتل يوما 30 رجلا. ولما ضاق اليهود بحكم القضاة لجئوا إلى النبي صموئيل، وكان يومئذ قاضيا وزعيما لهم، فاختار لهم شاول «شاءول» بن قيس، ومسحه ملكا عليهم، وهو أول ملوكهم، وكانت مدته 40 سنة، وكان مستقيما ثم عصى الله، وبعد موت شاءول اختار شعب يهوذا داود في سنة 1055ق.م، وبعده سليمان، ثم ابنه رحبعام في سنة 975ق.م. وفي عهده انقسم اليهود مملكتين: (1) الملك يوربعام بن ناباط، ومعه عشرة أسباط وعاصمته السامرة «أو سامر أو ساموريا»، ومملكتهم تدعى مملكة إسرائيل. و(2) رحبعام بن سليمان، ومعه سبطا يهوذا وبنيامين وعاصمته أورشليم، واقتتل الملكان، وزحف الفرعون شيشاق إلى أورشليم ناهبا الهيكل. أما مملكة رحبعام فقد أطلق عليها اسم مملكة يهوذا - كما أوضحنا قبلا.