وعلى أثر سقوط صيدا وصور وقرطاجنة والمدن الفينيقية الأسبانية، كتب على الفينيقيين الفناء فجأة، وأصبحوا أثرا بعد عين، على حين أنه قد تخلف أو ظهر فجأة جالية يهودية، لا في «أورشليم» وحدها، بل في كل من إسبانيا وأفريقيا ومصر وبلاد العرب والشرق، وقصارى القول في كل بلد اختلف إليه الفينيقيون. وقد كانت التوراة هي رابطة اليهود، وكانت قرابتها هي الجامعة لهم، وكانت مدينتهم الحقيقية هي التوراة. أما أورشليم فقد كانت عاصمتهم الاسمية منذ نشأتهم. ولئن كانت بذور هذه الروح قد غرست قبل أن يكتب المصريون والسومريون لغتهم الهيروغليفية، غير أن هذا الحادث كان هو الأول من نوعه في التاريخ؛ ذلك أن الأمة اليهودية لبثت قائمة بعد أن أصبحت لا دولة لها ولا ملك، بل لا معبد لها، منذ قوضت أورشليم ذاتها في سنة 70م. هذا؛ ولم تكن هذه الحالة الفريدة الشاذة في التاريخ وليدة خطط السياسيين أو من بنات أفكار الكهنة، بل إنهم لم يتوقعوها، فقد كانوا في عهد ملكهم سليمان أمة صغيرة تسكن رقعة صغيرة من الأرض وتخضع لتصاريف الملك ولحكمة الكهنة، ثم إن دبيب الخلاف قد تدسس إلى هذه الأمة الصغيرة؛ فانقسمت شيعا ومذاهب، وفي تضاعيف هذا شرع صنف جديد من الرجال يبرز إلى ميدان الحياة مسيطرا على وجهتها الروحية في صورة لم يعهد التاريخ لها نظيرا؛ ذلك هو ظهور الأنبياء منتمين إلى أصول مختلفة. فقد كان النبي حزقيل ينتسب إلى عنصر الكهنة. أما النبي آموس فقد كان راعي غنم، غير أن الأنبياء جميعا كانوا لا يدينون بالطاعة إلا لرب الحق، وكانوا يتحدثون إلى الناس من غير وساطة. يقول النبي منهم: «لقد جاءتني كلمة ربي.» منددين بتراخي الكهنة وخطايا الملك وبأكل الأغنياء أموال الطبقة الفقيرة وأخذها بالباطل، وبمحالفتهم الأجانب ومحاكاة ما هم فيه من الترف والنعيم؛ لأن هذا يكرهه رب إبراهيم، هذا الرب الذي سيعاقب هذه الأرض حتما. إلى هذا كان يذهب أنبياء بني إسرائيل.
الفصل الثالث
| الأسماء التي أطلقت على اليهود
لما كان يطلق على اليهود أسماء كثيرة، منها العبريون والإسرائيليون والصهيونيون، فقد عقدنا هنا هذا الفصل لإيضاح الكثير من هذه الأسماء المتعددة: (1) اليهود
فأما عن كلمة «يهود» فقد جاء في القرآن الكريم:
وقالوا كونوا هودا أو نصارى ، وهود هنا هي يهود، وهو لفظ غير منصرف للعلمية ووزن الفعل. ويجوز دخول الألف واللام فيقال: اليهود، فلا يمتنع التنوين لأنه نقل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء، والنسبة إليه يهودي.
وهود الرجل ابنه تهوديا: جعله يهوديا، وتهود: دخل في دين اليهود.
وقيل: إن اليهود نسبة إلى «يهودا» رابع أولاد يعقوب من «ليئة»، مصدره «يده» بضم الدال بمعنى الشكر؛ لأنها شكرت الله على ولادة «يهودا»، وهو الذي حين كبر قدمه أبوه وجعله حاكما على إخوته الأحد عشر، وانتقلت بعد «يهودا» إلى أولاده، إلى أن أرسل الله إليهم «موسى» فأنقذ اليهود من فرعون، ورتب موسى اليهود الاثني عشر سبطا من أولاد يعقوب أربع فرق، وقدم عليهم سبط يهودا، إلى أن جاء الوحي بتقديم عثنيتيل بن قفاز على سائر الأسباط، إلى أن ملك داود ثم ابنه سليمان. (2) الإسرائيليون
أما الأصل في تسميتهم بالإسرائيليين فهو أنه تحت قيادة إبراهيم في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد رحل اليهود إلى أن نزلوا أرض كنعان جنوب الشام، ومن نسل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب «أو إسرائيل». ومن أبناء إسرائيل «أو يعقوب» هذا ، يوسف صاحب القصة المشهورة، وهو الذي أحضر بني قومه الإسرائيلين إلى مصر فأقاموا بها أربعة قرون، وقد اضطهد فراعنة مصر الإسرائيلين، وأرسل الله إليهم النبي موسى، فأنقذهم من فرعون مصر في الأسرة الثامنة عشرة، وكان موسى إسرائيليا منهم تربى في بيت فرعون. هذا؛ وإسرائيل بالعبرية معناه «الرب» «أو يحكم» كان الاسم يحمله سلفهم يعقوب أبو القبائل العبرية، ثم إنه قد طبق على المملكة الشمالية مميزة عن جودا، ولو أن شعور الوحدة الوطنية قد جعلها شاملة المملكتين، وهي تدل على الأخص على مركز اليهود كجالية دينية مرتبطة بأغراض مشتركة وصلتهم بالإله الوطني