غير أنه ينبغي أن نذكر هنا أن الملك سليمان كان ملكا ثانويا في مملكة مقصورة على أورشليم «بيت المقدس» التي كانت مدينة صغيرة، وكانت سلطته وقتية؛ إذ إنه بعد وفاته ببضع سنوات استطاع شيشاق - أول فراعنة الأسرة الثانية عشرة المصرية - أن يغزو بيت المقدس وأن ينهب أكثر نفائسها، وقد وردت قصة سليمان وكنوزه ومركباته البالغة الأربعمائة في سفر الملوك والتواريخ.
هذا؛ ويؤخذ من الآثار القديمة أن «أهاب» الذي خلف «سليمان» أرسل 2000 مركبة إلى الجيش الآشوري، ويؤخذ من التوراة أن سليمان كان معنى بالمظاهر مرهقا قومه بالعمل والضرائب. وبعد موته انفصل الجزء الشمالي من مملكته من بيت المقدس وصار يدعى مملكة إسرائيل. أما بيت المقدس فقد لبثت عاصمة جودا «أرض الموعد».
وبعد قليل انقضى عهد سعادة العبرانيين، فقد مات هايرام، وحبست دولة حور مساعدتها عن أورشليم «بيت المقدس»، واشتد ساعد مصر مرة أخرى، وأصبح تاريخ كل من المملكتين الصغيرتين جدا: إسرائيل وجودا، تابعا لسلطان سوريا، ثم آشور، ثم بابل شمالا ولمصر جنوبا، وهو تاريخ مليء بالمآسي والكوارث التي تتخللها فترات قصيرة من التحرير والسكينة، وبملوك همجيين يحكمون همجيين، وفي 721ق.م اكتسح الآشوريون مملكة إسرائيل، وانتهى تاريخ الأمة الإسرائيلية. أما جودا فقد لبثت تناضل حتى أصبحت أثرا بعد عين في 604ق.م.
هذا؛ وسنوضح ما قدمنا بعد ذاكرين هنا أن تعيين التواريخ أمر مختلف عليه بين المؤرخين والمستنتجين.
الفصل الثاني
| الأمم السامية واليهود
كانت الأمم السامية هي الأمم المتحضرة المتغلبة في الشرق وشمال أفريقيا، فقد كانت مستأثرة بالتجارة، وكانت إمبراطورياتها تشمل سوريا وبابل، وأخضعت مصر طويلا. وكانت لغات بعض الساميين يفهمها البعض الآخر، واستطاعت صيدا وصور - وهما بمثابة الأم لمدن الساحل الفينيقي - أن تنشئا المستعمرات في أفريقيا وإسبانيا وصقلية، وفي قرطاجنة التي كان تأسيسها في 800ق.م، وكان سكانها منيفين على المليون، ووسعها أن تصبح أكبر مدن الدنيا بعض الوقت، وقد وصلت سفنها إلى السواحل البريطانية وإلى الماديرا، وإلى شواطئ البحر الأحمر ناقلة التجارة إلى بلاد العرب والهند، وطافت بعثة فينيقية في عهد الفرعون نيخو حول أفريقيا.
هذا ما كان من أمر الأمم السامية. أما الأمم الآرية، فقد لبثت على الحالة الهمجية إلا الأمة اليونانية؛ فإنها شرعت تستيقظ جاهدة في بناء حضارة جديدة على أطلال الحضارة التي أتت عليها يد العفاء، ثم إن الميديين أصبحوا ثابتين في وسط آسيا.
غير أن الآريين قد استطاعوا أن يقضوا على الإمبراطوريات والحضارات السامية كلها إلا في الصحارى الشمالية من البلاد العربية؛ وذلك لبقاء سكانها بدوا رحلا، وقبل بزوغ فجر القرن الثالث قبل الميلاد، صار الساميون إما في ضمن رعايا الدول الآرية وإما تابعين لها.
غير أنه مما ينبغي ذكره - إلى ما تقدم - أن الأمة اليهودية قد استطاعت أن تحتفظ بطابعها وتقاليدها وآدابها حيال الكوارث التي نزلت بها وبالأمم السامية عامة، وذلك منذ أن أعاد سيروس - ملك إيران - اليهود إلى أورشليم «بيت المقدس» أو القدس. أما مرجع استئثار اليهود بتقالديهم دون سائر الساميين، فهي التوراة التي سوتهم خلفا جديدا، وآثرتهم بالمبادئ القويمة التي اختلفت عما كان يجري عليه جيرانهم؛ ذلك أن التوراة علمتهم أن الله ذات غير منظورة وبعيدة، غير منظورة في معبد لم تصنعه يد صانع، وهو سيد الحق في الدنيا كلها، ومنزلته في السماء فوق الكهنة جميعا، على حين أنه كان للأمم الأخرى جميعا يومئذ آلهة ممثلة في تماثيل وأصنام أقيمت في المعابد، فمتى تهشم التمثال ودك المعبد، مات الإله لساعته!
وعند اليهود أن رب إبراهيم قد اختارهم لكي يكونوا شعب الله، وليعيدوا «أورشليم» فتكون عاصمة الحق في الدنيا، وقد أزهاهم اعتقادهم أن مصيرهم واحد، ومن أجل هذا كانوا مشبعين بهذه الروح حين عادوا من مأسرهم في بابل.